كشفٌ أثري جديد في قلب طرابلس: نهر أبو علي يزيح الستار عن أحد جسوره التاريخيّة الثلاثة بعد ٦٠ عاماً من طمره !

كشفٌ أثري جديد في قلب طرابلس: نهر أبو علي يزيح الستار عن أحد جسوره التاريخيّة الثلاثة بعد ٦٠ عاماً من طمره !

بيان إلى الرأي العام الطرابلسي وكتاب مفتوح إلى وزارة الثقافة ومجلس الإنماء والإعمار

بقلم البروفسور المهندس خالد عمر تدمري
عضو مجلس بلدية طرابلس
رئيس لجنة الآثار والتراث

منذ يومين وأثناء قيام المتعهد المكلّف من قبل مجلس الإنماء والإعمار بحفر الطريق الغربية لكورنيش نهر أبو علي عند تقاطعه مع شارع الزاهرية الأساسي بغية مدّ شبكة المجارير الجديدة، ظهرت تحت الطريق قنطرة حجربة واسعة معقودة من الداخل ومستندة على حائط عريض مدعّم وممتد لعدة أمتار مرصوص بحجارة شبه متساوية جميلة المظهر، وضجّت وسائل التواصل الاجتماعي في تحليل وتخمين ماهيّة هذا الموقع مهتمّةً فقط بما يمرّ أسفل هذه القنطرة وليس بماهية البناء برمّته، فذهبت التحليلات تارةً إلى أنه نفق أو ممر مسقوف تحت الأرض يصل إلى قلعة طرابلس..! وتارةً أخرى إلى أنها قناة مياه معقودة كتلك التي سبق وكشف عنها في عدة مواقع تحت الأرض في المدينة أثناء مدّ شبكة المجارير المذكورة..
أمّا حقيقة الموقع فعكس ذلك وذاك.. فبعد تفحّصنا للموقع والعودة إلى الصور النادرة والوثائق التاريخية والخرائط القديمة في أرشيفنا، تبيّن أن القنطرة المعقودة والحائط القائمة عليه تشكّل "جسر الترامواي العثمانيّ" الذي كان يصل ضفتيّ النهر بين شارع الزاهرية ومدخل شارع سوريا، وهو الجسر التاريخي الثالث الذي كان يعبر فوق مجرى نهر أبو علي بعد جسريّ السويقة واللحامين والذي استحدث نهاية القرن التاسع عشر وبني خصّيصاً ليمرّ عليه خط عربات الترامواي الحديدي في عهد السلطان عبد الحميد الثاني.
وكما هو معروف فإن الدولة العثمانية، وبغية تنشيط الحركة التجارية في مدينة طرابلس وتنشيط مرفأها، عمدت إلى مدّ سكّة حديدية لتشغيل عربات ترامواي من طابقين (كانت تجرّها البغال) تصل بين بوّابة الميناء حيث المرفأ القديم (ساحة الشراع حالياً) ومدخل شارع سوريا، حيث شقّ هذا الشارع أيضاً وتم تعبيده بحجارة البازلت المرصوفة في نفس الفترة وامتد حتى مدينتيّ حمص وحماه وصولاً إلى حلب في الداخل السوري (من هنا تسميته بشارع سوريا)، وتمّ تشغيل عربات "ديليجانس" عليه لإيصال الركاب والبضائع بين طرابلس وتلك المدن وذلك عبر تأسيس شركة مساهمة لإدارتها، اشترى السلطان عبد الحميد بشخصه أسهماً فيها لدعم انطلاقة المشروع كما تُظهر الوثائق المحفوظة في أرشيف البنك العثماني باستانبول.
وخطّ الترامواي الحديدي الطرابلسيّ كان أوّل مشروع سكك حديدية في كل بلاد الشام باعتراف جريدة "غرافيك" البريطانية (قبل مدّ سكك القطار الحديدية بثلاثين عاماً تقريباً) التي أفردت مقالاً مفصّلاً حول هذا المشروع وأهميته والشركة الإنكليزية التي إلتزمت تنفيذه من الدولة العثمانية مع رسومات توضيحية وذلك في عددها الصادر في حزيران عام ١٨٨٠.
وبفعل خط الترامواي وتعبيد الطريق بين باب التبانة والداخل السوري وتشغيل عربات الترامواي والديليجانس عليهما، نشطت الحركة التجارية في المدينة بشكل غير مسبوق، بحيث تحوّلت طرابلس إلى مرفأ بلاد الشام بخاصة حلب وحمص وعكّار، تُصدّر عبرها كل المنتجات الزراعية والصناعات الحرفية إلى أوروبا وبالعكس. وبفضل هذه الحركة الناشطة تحوّلت منطقة باب التبّانة إلى مركز تجاري ضخم يضم أكثر من أربعين خاناً (كما تذكر سجلاّت المحكمة الشرعية في طرابلس) مخصّصة لتجهيز وتوضيب وتصدير واستيراد مختلف البضائع والمنتوجات على اختلافها (من هنا تسميات خان البطيخ، وخان الأرز، وخان العدس، وسوق القمح.. إلخ)، وهذا ما جعل باب التبّانة تلقّب لاحقاً بسوق الذهب لوفرة الربح والتجارة الناشطة في متاجرها، وهو أيضاً ما جعلها تضم حتى يومنا هذا سوق الخضار المركزي في شمال لبنان.
واليوم وبعد ستين عاماً، ومع إعادة إكتشاف "جسر الترامواي" الذي "نفد" من أعمال الهدم التي شملها مشروع تقويم مجرى نهر أبو علي بعد طوفانه سنة ١٩٥٨، هذا المشروع الكارثي الذي أباح هدم أقدم وأبرز المعالم الأثرية في وسط المدينة المملوكية، يتّضح أن هذا الجسر العثمانيّ أُنقذ من الهدم لأن مجرى النهر الجديد مرّ بمحاذاته بعد أن كان يمر أسفله، حيث تم تحويل مساره القديم لجهة الشرق أكثر، فاستثني الجسر من الهدم بأعجوبة وتم الإكتفاء بطمره تحت أديم الكورنيش الجديد. ومن موقعه واستقامته يمكن للمرء ببساطة ملاحظة أن اتجاهه مكمّل للطريق القادمة من الزاهرية (والتي شُقّت خصّيصاً أيضاً في تلك الفترة لتمرير خط الترامواي ونشأت على جانبيها بالتالي مصانع الصابون مستفيدةً من الخط التجاري الموصول مع المرفأ لتصدير منتجاتها، كمصبة عويضة، ومصبنة عدرة..) والطريق المتصلة حتى يومنا مع شارع سوريا. وليس ببعيد في حال استكمال كشف مسطّح القنطرة - الجسر أن يتم العثور على خط السكة الحديدية التي كان يحملها وتعبر النهر خلاله.

وعليه، ومن موقعنا المحافظ على آثار طرابلس وتراثها وإحياء ذاكرة المدينة، بالأخص ذاكرة النهر التي أبيدت عن بكرة أبيها بمشروع تخريبي في حينه، أتبعه مجلس الإنماء والإعمار منذ أعوام بمشروع تخريبي ثانٍ قضى بسقف ٣٠٠ متر من مجرى النهر وبناء مسطبة باطونية تحوّل سطحها مرتعاً لمختلف أشكال الفوضى والتعديات وأسفلها لمكان مظلم تعشعش فيه النفايات والموبقات.. فإننا نطالب وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار فيها بكشف كامل هذا المعلم التاريخي الذي يحيي ذاكرة نهر أبو علي التاريخيّة كما يرمز إلى حقبة الازدهار التجاري والحضاري لمنطقتيّ باب التبّانة والزاهرية وطرابلس ككل، وأن لا تعمد إلى طمره كما حصل في كل الاكتشافات السابقة لقنوات مياه وأنفاق ظهرت خلال تنفيذ المشروع عينه حيث اكتفت المديرية بتوثيقها فقط وسمحت بإعادة طمرها؛
كما نطالب مجلس الإنماء والإعمار بوضع خطة ضمن مشروعه القائم حالياً وتعديله بشكل يؤدي إلى إظهار هذا الجسر التاريخي القابل حتى للاستخدام مجدداً نظراً لمتانته ولوساعة وعرض التقاطع فوقه والذي كان يتسع لمرور عربات الترامواي في خطين ذهاباً وإياباً فضلاً إلى المارة من المشاة، وتعويض المدينة عن خساراتها السابقة بإبرازه من جديد بعد كارثة مشروع سقف النهر التي قام المجلس بتنفيذها بإصرار، علّها تكون كفّارةً عن خطأهم الفاضح بحق ذاكرة نهر أبو علي الذي يرتبط تاريخ طرابلس ارتباطاً عضوياً به وكونهم يطلقون على مشروعهم تسمية "مشروع إحياء الإرث الثقافي لطرابلس"؛
كما ندعوا أبناء طرابلس الغيورين للوقوف إلى جانبنا لتحقيق إنقاذ وإبراز هذا المعلم الأثري الحضاري بكامل واجهاته تماماً كما يتم التعامل مع هكذا حالات في وسط بيروت وجبيل وصيدا وغيرها وعدم السماح بطمره وإعادة اكتسابه كمعلم سياحي إضافي للمدينة بعد مرور ٦٠ عاماً على إخفائه وتشويهه.
Khaled Tadmori-Prof II







التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.