ثقافة مهجورة … بقلم: الناقد الأدبي والفني سفير النوايا الحسنة محمد حميد أسد

ثقافة مهجورة  … بقلم: الناقد الأدبي والفني سفير النوايا الحسنة محمد حميد أسد

الأبواب محكمة الإغلاق، الإنارة خافته، سقفٌ تغني به طيور الحب والكروان بدعائها المعتاد، جروٌ يجوب الأرض الضيقة في نوبة حراسة، السكون يخيم على المكان فيبدده نباح الجرو رداً على زقزقة الطيور والتغاريد؛ فالأموات في صمتهم يترقبون الوافد الجديد..
الغبار يغطيهم، فيحجب عنهم البرد ليبقيهم دافئين، ولكن ليس لوقتٍ طويل، حيث عملت الحرارة المتزايدة بتحليل أجسادهم المصفرة تمهيداً لتكون رماد..
بينما الوضع على ما هو عليه راحت تتراقص أوراق (المجلة الإباحية) في غنج على رف المكتبة، محاولةً إغاضة جميع الكتب المكومة في المكان، وقالت:
- كم أبدوا رشيقة، جميلة، يطلبني الجمهور، ولست مثلكم مرمية في عالم النسيان، فقوامي الرشيق يهيج رغبات الناظرين..
رد عليها بحنقٍ شديد كتاب (إفانز) قائلاً:
- ربما تكونين كما تدعين، غير أنكِ جاهلة بأصول البشر وعادات الشعوب كما أرى..
- أيضاً روادك إنما هم جملة من القوم التعساء، وليس من بينهم من هو ذي قيمة، بل وليس أبداً فيهم من هو قد ساد الكون؛ غير أني جعلت من بريطانيا دولة عظمى سادت العالم، حين أدرك السياسيون عادات الشعوب، فتمكنوا من التحكم بردود أفعالهم، وقادوا تصرفاتهم ليكدسوا ثرواتهم طواعيةً في خزائن بلادي العامرة..
أشاحت (المجلة الإباحية) باستحياء صفحاتها عنه حين توقف الهواء عن مداعبتها؛ فأردفت السيدة (رواية أجاثا كريستي) بالثناء والتعظيم على السيد "إيفانز" قائلة:
- لقد اعتمدت كاتبتي عليكم سيدي أثناء كتابتها لي، حيث عنونتي بالسؤال (لماذا لم يسألوا إفانز؟) والتي نشرت من قبل نادي كولنز للجرائم لصاحبه "وليام كولنز" في المملكة المتحدة بشهر سبتمبر من عام 1934، وقد استمر نجاح الرواية التي ترجمة لمائة لغة حول العالم، وما زالت تطبع وتباع حتى اليوم، فقد بيعت منها مليار نسخة حتى اليوم..
- أوه، لم أكن أعرف، شكراً لك سيدة (رواية) على هذا الإطراء..
علت من جديد ضحكات مجنون (المجلة الإباحية) وعلقت دون اكتراث:
- لذلك كلاكما مقبورٌ هنا!
خيم الصمت المقبورون من جديد حين راح صرير الباب يزعج الجرو الصغير الذي لم ينفك عن نباحه حتى تعرف إلى سيده مالك المكتبة حين أنار المكان وبدد ظلمته؛ دخل الرجل صاحب المكتبة الواقعة في السوق العتيقة لمدينة "سايغون" الفيتنامية وهو نحيل الجسد رث الثياب أصلع الرأس يرتدي نظارة طبية غطت نصف وجهه، هيئته تدل على رجل في العقد الخامس من عمره، وكان يحمل مجموعة من الكتب المدرسية المستهلكة، والمجلات الرياضية، وكتب للتنمية البشرية جديدة الطبعة.
انشغل الرجل لنصف ساعة توضيب المكان المزدحمة، وصار يخرج مجموعة قديمة من الكتب والمجلات من بين الرفوف ليودعها حاوية زرقاء كبيرة مخصصة لإعادة التدوير، ولسوء حظها كانت من جملة ما أخرجه الرجل تلك (المجلة الإباحية) البائسة مما جعل الآخرين يسخرون منها بابتسامة مكر صفراء، وكأنهم يقولون لها بأنهم باقون أما هي فليس لها من مكان غير القمامة أو إعادة التدوير..
أمسك المسن بالكتب المدرسية وراح يصنفها بحسب المادة العلمية والسنة الدراسية، في حين وضع المجلات الرياضية في واجهة المكتبة، ثم وضع كتب التنمية البشرية فوق منضدة طويلة بمنتصف المكان، وأخذ بيده رواية وبالأخرى مقعد من البلاستيك الأبيض ليقرأ في الهواء الطلق، غير أنه ترك مكانه حين حضرت مركبة إعادة التدوير، ورجل منها الموظف المختص ليزن الحاوية الزرقاء ويتبين عدد كيلوغرامات الورق المستسلم في جوفها، ثم دفع الموظف لصاحب المكتبة بفاتورة تبين الكمية من أجل مراجعة الشركة وقبض قيمته المالية..
على حين غرة، وبكثيرٍ من الغطرسة تنهد الوافد الجديد كتاب (خرافة ريادة الأعمال) ثم أخرج نفساً عميقاً وتمت بصوتٍ مسموع:
- يا لحظي التعيس، لقد سافرت لآلاف الأميال، وقطعت البحار والسهول والجبال، وأنا الأكثر مبيعاً حول العالم لثلاثة سنوات متتالية، وأني صاحب تصنيف أحد أفضل عشرة كتب في مجال تخصص الأعمال، لأستقر هنا في هذه المقبرة، التي يعيش بها قومٌ مكفهرة الوجوه يسودهم صمت الموتى المخيف.. إنها لسخرية القدر وحظٌ بائسٌ عاثر..!؟
بكل ما في الكون من رقة، وبكل عذوبة الماء الزلال، وبكل براعة السيدة الواثقة الوقور نطقت (مجلة الأناقة والجمال) رداً على موقف جارها المتغطرس، وهي تنوي توبيخه دون افتعال شجار:
- لأنه كان من اسمك خرافة فإنه شأنك أن تكون مكذوب، وإن كنت ذا مغزى يا عزيزي!
- أنت متشبث برأيك وهذا حقك؛ غير أنه ليس من الجيد ازدراء الآخرين لذلك الحد الذي تسيء به للموتى، وأنت تدرك أن منهم أسلافك الذين بسببهم جئت للوجود؛ عليك دائماً يا (خرافة) أن تقدم لهم الاحترام..
- نعم، أدرك، بأنه، لا يتوجب أن أتحدث بأسلوب سيء عمن رحلوا؛ ولكن الموت لا يغير من الحقائق شيء، فهم بالنهاية مجرد فعلٌ ماضٍ قد كان في الزمن الغابر، وقد تركوا أكثرهم خلفهم ورحلوا.. أما عن اليوم فإنه لنا نحن الأثر..
- أوه كم آسف لما تسمعني من حديث يا عزيزي، دعني أذكرك بأنه غداً ستكون أنت أيضاً فعلٌ ماضي، وسيعتقد الآتون بعدك بنقصك – نقص الدين والعقل والخلق – وعليه سوف تقبر هنا ويعاد تدويرك حين تنتفي الحاجة إليك..
ضحك المقبورون أجمعهم وكأنهم منتشين بجرعة زائدة؛ ثم خيم الصمت المميت من جديد حين أغلق صاحب المكتبة أبوابه في المساء، وعاد لمنزله كما يفعل كل ليلة، وهو يمسك برواية لينتهي من قراءتها قبل نومه، فيعود بصباح اليوم التالي ويركنها بجوار زميلاتها، ثم يشرع في إخراج مالم يخرجه باليوم السابق ليضعه في حاوية إعادة التدوير، بعدها ينهمك في تكديس ما ورد إليه من إنتاج بشري جديد، على أمل أن يقصده القراء بحثاً متعتهم أو على علوم يعيدون من خلالها إنتاج أدبيات أو أبحاث تنتقل بالبشرية نحو الأفضل...



التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.