ملحمة يوسف الفلسطيني // الشاعر د . حسن نعيم

ملحمة يوسف الفلسطيني // الشاعر د . حسن نعيم

أنا يوسف الفلسطيني
انا يوسف العربي
أنا يوسف المنفي
وخمس وستون عجاف
وهذا قميصي وعليه دم كذب،
وهاهم إخوتي يا أبتي
يشعلون الشمع لعيد المنفى
يوقدوه لأولادي
يوقدوه لأحفادي
يوقدوه لموتي وميلادي
وبنات صهيون ترقص تغني
محمولة على الأيادي
أنايوسف يا أبتي
فمتى نعبر من مجاعة الحياة الزمنية ؟
متى ندخل إلى كمال الشبع الأبدي ؟
أنا يوسف يا أبي وها هم
الذين باعوني
وأسلموني للموت وحدي
للولادة وحدي
للصمت وحدي
للنطق وحدي
للصلح وحدي
للريح وحدي
هنا يا أبي تهتز قبور الأولياء
هنا تهتز ترتعش قلوب الضعفاء
هنا سوق النخاسة والبيع والشراء
هنا باعوا القدس
هنا باعوا بغداد
هنا باعوا دمشق
هنا باعوا حتى ورق التوت
باعوا فلسطين
ونصر حطين
هنا تاجروا بجدائل إمرأة
دوخت بسحرها الشمس
هنا وأدوا الياسمين
أنا يوسف الفلسطيني يا أبي
أنا يوسف العربي يا أبتي
وهاهم إخوتي
وهذا قميصي
وهذا الدم قد أصبح ماءً
أصبح جمراً
أصبح سحراً
أصبح خمراً
وبلاء ووباء
هنا سقط الشمال على الجنوب
هنا إبتلع الغرب الشرق
هنا سُرق الصهيل
وحل العويل
هنا قُتل الزيتون
هنا جنود الردة
هنا المسافات الأقرب
هنا جسدي
جسد المسيح المعذب
هنا صخرة أحمد الكوكب
هنا جامعة العهر والشر المذنب
هنا رجموني عند بيارات البرتقال
عند بردى والفرات
هنا أغرقوني
في دموع النيل
يا أبتي
أحتاج كثيراً
لأن أمشي وحدي
إلى حيث أدري .. ولا أدري
كم هو صعب يا أبي
أن تجبر على ترك شئ لازلت تريده
ولا زلت أذكر يوم قلت لي
لا تقل لهم
ماقلته لي وأنك ستطير فوق
وتآتي بالمطر
أنا يوسف يا أبتي
هنا باعني السيارة
لضلوع الموت
القبر المنفى
بالثمن البخس
هنا سأتحول إلى حمامة
في يد يسوع
وقمراً على كتف محمد
هنا سأبقى صامداً
هنا سأتبرع بدمي
ليعيش العرب
أنايوسف يا أبتي
فخذ قميصي
واشتم عطر الأنبياء
إشتم عبق يسوع ومحمد
أنا المنفي ياأبتي
داخل أسوار الحروف
أنا المنفي داخل الكلمة
أطوف بسؤالي حول السطور
وأسعى … أضم حزني وأدعي
ولا أدري
ما يرسم أخوتي في العتمة
قد يلفظ البركان الثلج
ياأبتي
لكن أخوتي
لن يلفظوا إلا الغدر والخسة
أنا يوسف ياأبتي
تفيض لحيتك قهراً ودموع
وتفيض جيوبهم ذلة
أنا المنفي في عينيك أعواماً
سأسرج لك عيوني
فلاتبكي سنلتقي
هناك على ضفة جرحي
حيث الوعد الموعود
هذي صلاتي
أنا الراحل العائد
الصامد كالزيتون
لا أريد حياة جديدة
ولا أرض جديدة
ولاهوية جديدة
ممزوجة منسوجة بالدم
فهويتي في قلبك يا أبي
في قلب كل أم وأخت وطفل
يلبسني الظل
ويتفيأ عمري
أعوذ بالله منه ومني
ها أنا ذا أحترق
في أنات الروح
والجسد المنفي المرهق
وأنتظر العودة والمفتاح
مغموس في جسدي
يا أبتي هل تسمعني
سأحطم أصنام الصمت
سأحمل أنفاس اللحظة
وأستحم بحيض الشمس
وأطهر نفسي
مغسولا من اللعنات
حتى حدود الريح
ومهما شهوتها راودتني
عن نفسي سأبقى
حامل المفتاح
في إنتظار الوصول
لخارطة الجسد
يا أبتي لازلت في إشتهاء
لن أكتب شيئاً
فالرسائل خطرة
وأنا في نظرهم
إنسان ميت
فلقد أقاموا صوان العزاء
من لحظة ميلادي
وسجلوا أسمي في
سجلات المنفى
ظنوا أنهم غسلوا ذاكرتي
لكن نبضي لم يزل يحمل هويتي
أنا يوسف الفلسطيني
أناحدود النار
والنصر بعد الإنكسار
والبركان والإعصار
فليأت الحصار
وليبنوا الأسوار
صامد أنا ياأبتي
وبعد الليل
سيبزغ النهار



التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.