لحضه تأمل(قصة قصيرة) | بقلم : زهور الرعوي

لحضه تأمل(قصة قصيرة) | بقلم : زهور الرعوي


تتجول في الغرفة بعد ان أصبحت في شكل جديد .. تأملتها بعد ان غيرت ترتيبها وتخلصت من كل الأشياء التي تستدعي الذكريات اليها ...ورددت : نعم هكذا يجب ان تكون ... لديها اعتقاد ان تغيير شكل المكان هو تغيير للشخص نفسه إضافة الى تغيير الظاهر الخارجي للإنسان يعتبر نقلة نوعية للحياة ... وقفت منتصبة امام المرآة .. فردت خصلات شعرها الطويل ...اعتادت ان تجمعه دوما في خصلة ثخينة تصل الى منتصف ظهرها تحت الحجاب ... ارادت ان تقص هذه الخصلات لتبدوا بشكل مختلف لعل احزانها تتساقط مع خصلاتها المتساقطة عند اقدامها ... تأملت وجهها الجميل في المرآة تفرشه الاحزان ... رغم حسنه وجاذبيته الا انه يفشل في إخفاء الإحباط المرتسم عل عيناها الغارقتان في الأسى والياس... قبل ان تبدا القص ...انتشر في فضاء المرآة صورا متناثرة كأنها شاشة تكنولوجية تعرض الصور بكل مرونة ودقه .... ظهرت اول صورة لها وهي تحاول الانتحار عندما كان يختنق قلبها بالألم ... لمرات عديده فشلت في الوصول الى الموت ... همست في نفسها أي غباء ان تذهب بقدميك الى النار ... ان تهرب من مرارة الألم الى جحيم أكبر بانتظارك .... شربت ذات مرة كمية من الحبوب المنتهية صلاحيتها...ومرة تناولت سم كان يستخدم لحشرات النباتات في المزرعة.... ومرة أخرى تفجر الدم امامها وهي تحاول قطع الوريد من يدها المرتعشة ... لكن ما كانت تلبث ان يتم انقاذها وتعود الى حضيرة الحياة...تستيقظ على عتاب مؤلم من والديها وأحيانا صفعة من والدها تختم المشهد ... تحاشت هذه الصورة فلم يعد الموت يغريها الان ...وانطلقت الى ذهنها صورة أخرى لحضه انفصال والديها بسبب خلافاتهم الدائمة اثمرت كرها لكلا الطرفين الى حد التضحية بها رهينة لظروف طلاقهم ... تفرض عليها الحياة التنقل للعيش بينهما كضيف ثقيل بعد ان شق كلا منهما طريقه مع شريك اخر وتركاها في منتصف طريق متفرع لا تعرف الى اين ينتهي .... الألم الذي كانت تعانيه من زوج والدتها واشقائها ... يفوقه الم أكبر من معاملة زوجة ابيها ... يشبه تماما ذلك السم الذي كانت تتجرعه عند محاولتها للانتحار.... لأيام كثيره غاب عنها عطف والدتها المشغولة بالتزاماتها اتجاه اسرتها الجديدة ...قسوة ابيها وغلظته جعلها كأرض شققها الجفاف لم تحظى بالمطر منذ زمن ... ترك ذلك فيها جروحا مفتوحة تؤلمها بين الحين والأخر ما يكفي ان يجعلها تنعزل وتدخل تحت قوس الانطواء والوحدة ...يصحبها التوتر والارق .. تدق عليها الذكريات في الليل وتيقظها من نومها ... تدخل عليها بدون استاذان وتجلسها وحيدة تنصت الى موسيقاها رغما عنها ... برزت امامها صورة واضحة الملامح ... وهي تحاول ان تشق طرقها الى النور... تمسك الكتاب وهي ترعى اغنام ابيها بعد ان اجبرها على تحويل دراستها الى منازلي ... كانت تطالع الأغنام بعين وعينها الأخرى على الكتاب ... ثابرت ... انصبت كل اهتمامها على دراستها حتى سبقت كل زملائها الذين تميزوا بحضورهم في المدرسة وذاعت شهرة ذكائها لتغدوا معلمة ناجحة ... تقف بين تلاميذها الصغار كانسان حكيم ...تعلمهم الصبر ...تهبهم باقات الامل ... ترتب لهم الطريق بينما هي تائهة عن نفسها منكبة على قلبها تبحث فيه عن لائحة تخبرها اين هي الان ... تقول لهم كلاما متفائلا هي احوج ما يكون الى سماعه ... تماما كطبيب يعطي الدواء للمرضى وهو يعاني ضعف الالم ...كيف لها ان تنثر ابتسامات امل بين الصفوف وهي التي كانت تنادي الموت بالانتحار عندما تضيق بها الظروف ... في اعماقها يضرب الحزن جذوره ويتفرع الى اغصان ذابله ... بينما الفرح لم يكن الا كفراشة حطت على ازهار روحها لبرهه ثم رفرفت بأجنحتها في الأفق البعيد .... لمعت امامها صورة أحد زملائها المدرسين الذي حاول ان يتقرب منها ويبدي اعجابه بها ...لكن قلبها كان متضخما بالألم ... خبئته في احدى زوايا حياتها كعود مهجور لم تسمح له ان يعزف على اوتاره ... كانت تؤمن انه لكي تشفى جروح قلبها عليها الا تلمسها او تسمح لاحد ان يقترب منها ... فدبر لها المكائد حتى استلمت ورقة فصلها من مدير المدرسة ... ضجت المرآة بالكث يرمن الصور ... تعالت منها الأصوات والكلمات المتداخلة مع بعضها بشكل عشوائي ... حتى امسكت برائسها وهي تشعر انه يتفجر منه حمم البراكين .... وبشكل لا ارادي صوبت المقص نحو المرآة فاختفى الضجيج مع صوت تهشم الزجاج ... هدئت ... تأملت وجهها مرة أخرى ...بدى لها مشوها بين الشقوق ... ايقنت انها لن تجني الا حصاد ما تفكر به ... وهل يمكن لشجرة الصبار ان تثمر تفاحا !! لاحت لها فكرة ان تغير نفسها من الداخل ... ان تقتلع الحزن من جذوره ... وتزرع في روحها بذور امل تزهر لأيام قادمة على مسرح الحياة ... ابتسمت للحقيقة التي ادركتها ...ان تتفاءل وقت الفشل ... ان تثق بنفسها وقت الياس ... ان تصر على النجاح ...فلا الدنيا ستضمها حين تحزن ...ولا الكون سينحني معتذرا عند قبرها عندما تلوذ بالانتحار... ذاب في عينيها الياس وتلاشى ... وغدت عيناها أكثر جمالا



التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.