علاقة الريع التنظيمي بالفساد التنظيمي وبإفساد العلاقة مع المستهدفين..... محمد الحنفي

علاقة الريع التنظيمي بالفساد التنظيمي وبإفساد العلاقة مع المستهدفين.....  محمد الحنفي

تقديم الريع إلى التنظيمات، والغاية منه:

والنظام المخزني، يلجأ إل كل الوسائل، التي تدجن الأفراد، كما يلجأ إلى كل الوسائل، لتدجين التنظيمات الجماهيرية، حتى لا تخرج عن دائرته، التي تمكنه من التحكم في الأفراد، والتنظيمات، حتى لا يضطر إلى اللجوء إلى استعمال القوة القمعية. ومن هذه الوسائل، سلطة الريع المخزني، أو سلطة المال المخزنية، المأخوذة من أموال الشعب المغربي، أو سلطة امتيازات الريع، التي تعطي الحق في نهب تلك الأموال، بطريقة تضفى عليها المشروعية.

ومن العادي، جدا، أن يمكن عملاء الدولة المخزنية، من امتيازات الريع، باعتبارهم عملاء، نذروا أنفسهم لخدمة المصالح المخزنية، في السراء، والضراء، حتى تبقى السلطة المخزنية قوية، وقادرة على قمع كل حركة، مهما كانت قوية، ما دامت مناهضة للنظام المخزني، كما يحصل في العديد من المدن المغربية.

ومن العادي، جدا، كذلك، أن تمكن التنظيمات الجماهيرية، التي تتمسح بأعتاب الدولة المخزنية، من امتيازات الريع المخزني، المتمثلة في تفرغ العاملين في أجهزة الدولة المخزنية، وفي إمدادها بالتمويل اللازم للتسيير، مقابل أن تصير المنظمة الجماهيرية، في الخدمة الفعلية، للمصالح المخزنية، التي لها علاقة بالجماهير الشعبية الكادحة، التي تحرم من كافة حقوقها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.

ومن غير العادي، أن تتلقى التنظيمات الجماهيرية المناضلة، والمبدئية، والمبادئية، والمرتبطة عضويا، ومصيريا بالجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة، امتيازات الريع المخزني، بما فيها تمتيع العديد من المنتمين إليها، بالتفرغ من أجل القيام بأعمال تلك التنظيمات، التي لها علاقة بالجماهير المستهدفة، وبالإدارة في القطاعين: العام، والخاص، بالإضافة إلى تمويل تسييرها من المال المخزني، المأخوذ من أموال الشعب.

وقد كان بودنا، أن نعتبر ذلك عاديا، لو استمرت التنظيمات الجماهيرية في رفع وتيرة نضالاتها الجماهيرية، ولو لم يعمل العديد من متفرغيها، المتمتعين بالريع المخزني، على استغلال تلك التنظيمات، في العلاقة مع الإدارة في القطاعين: العام، والخاص، لخدمة مصالحهم الخاصة، لتحقيق تطلعاتهم الطبقية، في تحد سافر للمستهدفين، لممارسة الابتزاز على الإدارة في القطاعين: العام، والخاص. بل تجاوزه إلى القيام بعمل إضافي، في قطاعات خاصة، وبأجور باهظة، وأمام أعين المستهدفين، ودون إنجاز ما تفرغوا من أجله، وفي الإطارات التي يمثلونها أمام الإدارة، في القطاعين: العام، والخاص.

وتمتيع التنظيمات الجماهيرية بالريع المخزني، المتمثل في تفرغ المنتمين إليها، وفي تمويل تسييرها من أموال الشعب المغربي، يقودها إلى:

أولا: ممارسة العمالة المخزنية، وأمام أعين الجماهير الشعبية المستهدفة بنضالاتها. وهو ما يعني: تخلي هذه التنظيمات عن النضال، من أجل تحسين الأوضاع المادية، والمعنوية للجماهير الشعبية الكادحة.

ثانيا: تحويل التنظيمات الجماهيرية، من تنظيمات مبدئية، إلى تنظيمات لا مبدئية.

ثالثا: تحويل التنظيمات، من تنظيمات مفعلة لمبادئ الديمقراطية، والتقدمية، والجماهيرية، والاستقلالية، إلى تنظيمات لا تفعل المبادئ المذكورة.

رابعا: تحويل التنظيمات الجماهيرية الديمقراطية، إلى تنظيمات بيروقراطية، لضمان تأبيد نفس الأشخاص المستفيدين من الريع المخزني، في مسؤوليات هذه التنظيمات.

خامسا: الانتقال من مستوى رفع وتيرة النضال، من أجل تحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، إلى مستوى رفع وتيرة توظيف الإطارات الجماهيرية، في ممارسة الابتزاز على المستهدفين، وعلى الإدارة في القطاعين: العام، والخاص.

سادسا: إبقاء المتفرغين خارج مراقبة الإطارات المعنية بالتفرغ، مما يجعلهم يتفرغون للقيام بأعمال أخرى، لا علاقة لها بالمهام المطلوبة منهم، في الإطارات التي تفرغوا من أجلها.

والغاية من تقديم الريع، بأشكاله المختلفة، إلى الإطارات الجماهيرية العميلة، والمناضلة في نفس الوقت، هو ربط هذه التنظيمات بالدولة المخزنية، ومن خلالها، بالإدارة المخزنية، حتى يتحول قادتها، وأطرها، ونخبتها، إلى البحث عما يخدم مصالحهم الخاصة، بدل الاستمرار، والتمادي، في خدمة مصالح المستهدفين بالعمل الجماهيري، ومن أجل أن يسعوا إلى تحسين أوضاعهم المادية، والمعنوية، بدل السعي إلى تحسين الأوضاع المادية، والمعنوية للجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة، ليكون الريع المخزني، بذلك، قد أدى دوره لصالح الدولة المخزنية، ولصالح الإدارة المخزنية، في القطاعين: العام، والخاص.

أهداف تقديم الريع المخزني إلى الإطارات الجماهيرية:

وبعد وقوفنا على مفهوم الريع، ومفهوم الريع المخزني، ومفهوم تقديم امتيازات الريع المخزني إلى الإطارات الجماهيرية، والغاية منه، نطرح السؤال:

ما هي أهداف تقديم الريع إلى التنظيمات الجماهيرية؟

إن الدولة المخزنية، عندما تقدم امتيازات الريع إلى جهة معينة، لا بد أن تسعى من وراء تقديم الريع، إلى تحقيق أهداف معينة، وهذه الأهداف، يمكن تلخيصها في:

أولا: تمرس التنظيمات الجماهيرية، على تلقي الريع المخزني، الذي يجعلها تتغلب على الكثير من المشاكل المادية، التي تعرقل عملها في الميدان، ولكثرة التنقلات التي يقوم بها مسؤولو التنظيمات الجماهيرية: محليا، وإقليميا، وجهويا، ووطنيا، ولارتفاع فاتورة الاجتماعات الكثيرة، ولكراء المقرات، وللقيام بحملات انتخابات المأجورين، وغير ذلك، من المسائل التي لا تكفي فيها مداخيل الانخراطات، التي قد تكون محدودة، وقد تكون واسعة، دون أن ننفي ما يمارسه الانتهازيون، من نهب لمداخيل التنظيمات الجماهيرية.


2) نسج علاقات حميمية مع الدولة المخزنية، ومع الإدارة المخزنية، ومع إدارة القطاع الخاص، مما يعطي إمكانية قيام المسؤولين النقابيين، غير المبدئيين، وغير المحترمين للمبادئ، وغير الملتزمين بالقرارات النقابية المبدئية، والتي تم اتخاذها على أساس احترام آلية الديمقراطية الداخلية، بممارسة كافة أشكال الانتهازية، في العلاقة مع الدولة المخزنية، أو مع الإدارة المخزنية، على حساب العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وعلى حساب الشعب المغربي.

فنسج العلاقات الانتهازية مع الدولة المخزنية، ومع الإدارة المخزنية، ومع إدارة القطاع الخاص، لا يمكن أن يكون إلا ممارسة انتهازية، لا تسلم التنظيمات الجماهيرية من التأثر بها، ولا تسلم الجماهير الشعبية الكادحة من الإصابة بأضرارها، ولا يسلم الشعب المغربي من أداء ضريبتها، خاصة، وأن الانتهازية مرض عضال، لا يزول إلا بزوال حامل ذلك المرض.

ثالثا: التعود على تلقي امتيازات الريع، الذي يجعل المسؤولين في مختلف الإطارات الجماهيرية، يتنكرون للمبدئية، وللمبادئ التي لم تعد تسمن، أو تغني من جوع، أمام امتيازات الريع، التي ينتظرها المسؤولون في مختلف التنظيمات الجماهيرية، باعتبارهم أول من يدوس على المبدئية، وعلى المبادئ، قبل المنخرطين، في الإطارات الجماهيرية، وقبل الجماهير المستهدفة بها. وهو ما يعني: أن مسار التنظيمات الجماهيرية المبدئية، والمبادئية، سوف يعرف الإفلاس.

رابعا: العمل على تحويل التنظيمات المبدئية، والمبادئية، إلى تنظيمات بيروقراطية، على مستوى التسيير، وعلى مستوى الهيكلة، وعلى مستوى اتخاذ القرار، وعلى مستوى التنفيذ، وعلى مستوى نسج العلاقة مع التنظيمات الأخرى، ومع الدولة المخزنية، ومع الإدارة المخزنية، ومع إدارة القطاع الخاص، حتى يضمن المسؤولون لأنفسهم الدوام في المسؤوليات، وتسخير مجمل العمل الجماهيري، لخدمة مصالح الأجهزة الجماهيرية البيروقراطية، وخاصة مصالح القائد الوطني، أو الجهوي، أو الإقليمي، أو المحلي.


خامسا: تحول الإطارات الجماهيرية، من خدمة مصالح الجماهير الشعبية الكادحة، إلى خدمة مصالح النخبة الجماهيرية، المتكونة من أجهزة التنظيمات الجماهيرية، ومن عملاء تلك الأجهزة، من المنخرطين في مختلف التنظيمات، ليتم القطع، وبصفة نهائية مع خدمة مصالح الجماهير الشعبية الكادحة، ولتصير النخبة المسيطرة على الإطارات الجماهيرية، هي القيادة، وهي القاعدة، وهي المستفيدة من الريع المخزني، ومن الامتيازات التي تجلب المزيد منه، على حساب إفقار العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وجميع بنات، وأبناء الشعب المغربي، الذين لم تعد تربطهم بتنظيمات العمل الجماهيري، إلا العلاقات الانتهازية.

وهكذا، يتبين أن تمرس التنظيمات الجماهيرية، على تلقي الريع المخزني، ونسج علاقات حميمية مع الدولة المخزنية، ومع أجهزتها المخزنية، ومع إدارة القطاع الخاص، والتعود على تلقي امتيازات الريع المخزني، والعمل على تحويل التنظيمات الجماهيرية، إلى تنظيمات لا مبدئية، ولا مبادئية، تحول التنظيمات المذكورة إلى خدمة مصالح الأجهزة البيروقراطية، بدل خدمة مصالح الجماهير الشعبية الكادحة، لا يمكن أن يؤدي، كل ذلك، إلا إلى إفساد لتنظيمات الجماهيرية، كامتداد لفساد الدولة المخزنية، وفساد أجهزتها، وفساد إدارة القطاع الخاص.

الريع المخزني بين التعميم والتخصيص:

والريع المخزني، ليس هو الدعم القانوني الذي يقدم إلى الإطارات الجماهيرية، بناء على مقاييس معينة، وتحاسب الجمعيات على ما تتلقاه من دعم، على أساس إنجاز برامج معينة، لصالح الجماهير الشعبية الكادحة، لا على أساس التلاعب فيه، وتفويته بطريقة، أو بأخرى، إلى جيوب المسؤولين، ليتحول بذلك الدعم إلى مجرد ريع مخزني، لا يقدم بديلا عنه، إلا خدمة مصالح الدولة المخزنية، وأجهزة الدولة المخزنية.

وعلى خلاف الدعم الذي يكون متبوعا بالمحاسبة الفردية، والجماعية، فإن الريع المخزني، وامتيازاته، لا تقدم إلا إلى الجمعيات العميلة، التي تعتبر صناعة مخزنية بامتياز، لتصير في خدمة المؤسسة المخزنية، بأجهزتها المختلفة، ومن أجل أن تقوم بدورها في تسويق الممارسة المخزنية، التي لا يمكن اعتبارها إلا وسيلة لتمرير الحلول المختلفة، كما تتصورها الدولة المخزنية، في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وحتى تساهم بشكل كبير في تلميع وجه الدولة المخزنية، وفي تلميع ممارسة الأجهزة المخزنية.

والجمعيات التي تتلقى الريع المخزني، لا تحاسب على ما تتلقاه من ريع، وليست معنية بصرفه، في خدمة مصالح الشعب المغربي، لا من قبل أجهزة الدولة، ولا من قبل أجهزة التنظيمات المكونة لجمعيات الريع المخزني، ما دامت الأجهزة المذكورة، تفوت ما تتلقاه من ريع، إلى جيوب أعضائها، ولا تحاسب أعضاءها على ذلك، وخاصة في الجموعات العامة؛ لأن الأجهزة المسؤولة عن التنظيمات المذكورة، تعتبر الريع المذكور، امتيازات تصير متمتعة بها، في أفق خدمة مصالح المخزن، ومصالح أجهزته المختلفة.

أما خدمة مصالح الجماهير الشعبية، فليست واردة.

وبناء على ضرورة التمييز بين الدعم، الذي يقدم إلى الإطارات الجماهيرية المناضلة، وبين الريع المخزني، الذي يقدم إلى الإطارات الجماهيرية العميلة للدولة المخزنية، ولأجهزتها المختلفة، وبناء على الاختلاف بين استهداف الجماهير الشعبية الكادحة، الذي يصير ذلك الدعم في خدمتها، وبين استهداف ملء جيوب أعضاء الأجهزة المسؤولة عن جمعيات الريع المخزني العميلة، وما أكثرها، نجد أن الريع المخزني، لا يقدم إلا إلى الإطارات العميلة؛ لأنها تصير مخصصة بذلك الريع، الذي لا يمكن اعتباره إلا إهدارا لأموال الشعب المغربي، وليس عاما؛ لأن الإطارات التي تتلقى الريع المخزني، لا تتلقاه إلا بمعيار العمالة للدولة المخزنية، ولأجهزتها.

ومعلوم أن التنظيمات القائمة على أساس تلقي الريع المخزني، فإنها تتحول إلى أدوات فاعلة، في مختلف المحطات الانتخابية، للمساهمة الفعالة، في تزوير إرادة الشعب المغربي، حتى يتم تصعيد المنتمين إلى الأحزاب المخزنية، إلى المجالس المزورة، حتى تستمر في تقديم الريع المخزني، إلى الإطارات العميلة، بدون حدود، لتزداد استفادة أعضاء الأجهزة من ذلك الريع.




التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.