فتى القرية | بقلم: عبدالواحد الزيدي- اليمن

فتى القرية | بقلم: عبدالواحد الزيدي- اليمن

مرحبًا..
أنا -عبدالواحد- مواطنٌ بسيط، على الفطرةِ.. أتيتُ من القريةِ المعزولة في شِعابِ الله..
عندما وصلتُ المدينة أدهشني جسر مشاة، بسيط جدًا، لا يتعدى بضع وعشرون مترًا
ظننتهُ إنجازٌ كبير، قبل معرفتي بالهياكلِ النازية العملاقة!.

أول حذاء تقليدي حصلتُ عليه في السادسةِ من عمري، كان صبيحة عيد الأضحى، من الحانوتِ المتواضع في القريةِ المجاورة.

أصدقاء طفولتي هم أخوتي، أيضًا، أبناء عمومتي، كنا نفترق ما أن تختفي الشمس، أيضًا، ليست لي غرفة منفردة، أشارك أمي وأخوتي في نفسِ الغرفة المتواضعة.

عندما يدلف بائعُ "الآيس كريم" يُعَدّ يومًا استثنائيًا في القرية، أيضًا، إذا لم يكن بحوزتي نقود، كنتُ أخطف حذاءَ أبي القديمة أو قِدْر المعدن خاصة سقيا الماشية.

درسنا في الوادي، تحت شجرة السدر العملاقة، كلما ظهرت علينا الشمس نقوم بملاحقةِ ظل الشجرة.

كنا في القريةِ المعزولة في سجنٍ بِلا مداخل، نخشى أن نذهب إلى البئرِ على انفراد، ونرعى الماشية بشكلٍ جماعي.

متواضعين، بسطاء.. نصطف خلف المسجد، نرقبُ الآباء المتسوقين عند عودتهم، مرة في الأسبوع، خاصةً قبل ظهر يوم الجمعة.

لا نعرف الشوكولا، كنا نسمع بها.. حلوياتنا كانت من البسكويت (زبدة أبو ولد، وماري) وبعض أقراص (الكيك/الكعك) التنوري.

يوجد لدينا مساحة لا بأس بها، جبلية متهشمة، روضناها للعبِ كرة القدم، نلتقي من ثلاثِ قرى منفردة، لخوضِ مباراة من ثلاثين فرد، بملابس غير رياضية!.

يوجد في قريتنا مجلس متواضع يأوي تجمعنا، للمواطن (ع.ا)، هذا المجلس وجه قريتنا الوحيد، من أتاهُ ضيفًا أحظره للمجلس!.

يجمعنا رمضان في مساحةٍ بسيطة بالقربِ من المسجد، يحظر أحدهم "اللحوح" ويأتي الآخر ب "اللبن"، بينما هامور القرية لديه التمر يتباهى بتوزيعِ تمرة تمرة لكبارِ السِّن، نكتفي بالنظرِ إليهم بعفويةٍ مفرطه.

عندما يبكي طفلٌ ما، يخوفونه بمناداةِ كلب "عبّاس" ويهدرون: (يا كلب عباس، لا تأكل الناس، كُلّك حليمة بنت الكرنباس)، لا اعرف من هو "عبّاس" ولا من تكون "حليمة"!.

كل ما أعرفه عن قريتي، إنها بريئةٌ عفوية، رجالها أشداء طيبون، يكرمون الضيف والغريب، ويتعاونون فيما بينهم بحق القرابة والإنسانية، ويتسامحون مع بعضهم، يشبهون العائلة الواحدة.

نحرثُ الأرض مرة إلى مرتين في السنه.. ندفن البذور ثم نعود إلى القريةِ وننظر إلى السماء، كأننا نخاطب الله: اللهم علينا البذور وعليك المطر!.

بسطاء نحنُ، متكاتفين.. عندما يمرض شخصٌ ما، يكفي أن تزوره، فقط، وإن أتيت بعلبةِ "أناناس" هذا شيءٌ كثير.

يجلبن نساءَ قريتنا الماء فوق رؤوسهنّ -حتى اليوم- وعلى ظهرِ الحمير من مسافاتٍ بعيدة، كما يجلبنّ الحطب من قممِ الجبال والأعلاف من الوادي.

سيارتين إلى ثلاث، في قريتنا، من طراز 84 نوع "شاص" قديمة جدًا، لكن، يقدمن الواجب.. لم يدخل قريتنا من السياراتِ الفارهة إلّا سيارات موظفي "اليونيسيف" وسرعان ما يختفوا بلا فائدة منهم تعود بالنفع لسكان القرية.

مشاريعُ البنية التحتية لم تصل بعد إلينا، لا ماء ولا كهرباء ولا خطوط أسفلتية أو مرصوصة، ولا مبنى وحدة صحية، لدينا مدرسة أساسية من ثلاثةِ فصول مع المرافق، تجمع المدرسة أكثر من خمس قرى متفرقة.

قريتنا ليست خارج كوكب الأرض، إنها يمنيةٌ منسية، ونصف سكان القرية لا يملكون "هوية" (بطاقة الأحوال المدنية) أو حتى بطائق تعريفية، إن هويتهم الأرض لا سواها، أيضًا، لا يملك أحدنا شهادة ميلاد!.

نحنُ نستمتع بوقتنا، حسب عاداتنا، نفرح جميعًا بحفلةِ أحدهم ونحزن جميعًا بموت أحدهم.. نحنُ إخوة من أجدادٍ مختلفين، يجمعنا رابط الإنسانية ولحمة الدم، ومصاهرة بعضنا البعض.

#عبدالواحدالزيدي
1-4-2019



التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.