علاقة الريع التنظيمي بالفساد التنظيمي وبإفساد العلاقة مع المستهدفين// بقلم محمد الحنفي

علاقة الريع التنظيمي بالفساد التنظيمي وبإفساد العلاقة مع المستهدفين// بقلم محمد الحنفي

عوامل وضع حد للريع المخزني، وإعادة تربية العاملين في التنظيمات الجماهيرية:

إن مشكلتنا القائمة الآن، في التنظيمات الجماهيرية، أن كل من يتحمل المسؤولية في هذه التنظيمات، صار يحلم بالتمتع، بأي شكل من أشكال الريع، بحكم علاقته بالإدارة المخزنية، التي تفتح له آفاق تحقيق مختلف التطلعات الطبقية، التي لا علاقة لها بطموحات الجماهير الشعبية الكادحة، كما لا علاقة له بطموحات العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين .

والحلم بالتمتع بالريع المخزني، وخاصة عن طريق التفرغ، باسم التنظيمات الجماهيرية، صار مرضا عضالا، بالنسبة للمسؤولين في التنظيمات الجماهيرية المختلفة، التي يمكن تسميتها بتنظيمات الريع المخزني، لجنوح معظم مسؤوليها، إلى القبول بالتمتع بالريع المخزني.

أما الوفاء إلى مبدئية التنظيمات الجماهيرية، وإلى مبادئها، وإلى الإخلاص في خدمة المستهدفين بالتنظيم الجماهيري، فقد أصبح من آخر ما يمكن التفكير فيه، وممارسته من قبل مسؤولي التنظيم الجماهيري، ومن المتفرغين منهم بالخصوص.

ولوضع حد للريع المخزني، فإن على المسؤولين عن التنظيمات الجماهيرية، الأوفياء لمبدئية، ولمبادئ التنظيم الجماهيري المبدئي، نرى:

أولا: ضرورة التدقيق في الملفات المعروض أصحابها على التنظيم، من أجل التفرغ، حتى لا يسقط التنظيم الجماهيري في اختيار الانتهازيين، الذين يظهرون خلاف ما يضمرون. ولقطع الطريق أمام إمكانية تفشي الانتهازية، في تقمص النضال الجماهيري من أجل التفرغ.

ثانيا: تشكيل لجنة، تكون مهمتها مراقبة، وتتبع ممارسة المتفرغين، على المستوى الوطني، والمستوى المحلي، والإقليمي، والجهوي، شريطة أن لا يكون من بين أعضائها مسؤول متفرغ، وأن يكون أعضاؤها أوفياء للتنظيم المبدئي، ولمبادئ التنظيم، وللشعب المغربي، وللمستهدفين بالتنظيم الجماهيري.

ثالثا: أن يعمل التنظيم الجماهيري على اتخاذ الإجراءات الضرورية، التي تقتضيها مضامين التقارير المرفوعة إليه، من قبل لجان المراقبة، في مستوياتها المختلفة.

رابعا: إخضاع المتفرغين إلى المساءلة، والمحاسبة، أمام التنظيم، وأمام القانون، إذا اقتضى الحال، لإهداره أموال الشعب التي توصل بها كأجر، عن عمل لم يقم به، وباسم التنظيم، وأن تعتبر المدة التي تفرغ فيها، واشتغل بعمل آخر مدر للدخل، تغيبا غير قانوني عن العمل.

خامسا: قيام التنظيم الجماهيري، بإعلان الاستغناء عن متفرغ معين، بناء على التقارير التي تثبت أنه لا ينجز المهام الموكولة إليه، وأنه يسيء إلى سمعة التنظيم الجماهيري، حتى يحسب عليه ما يقوم به المتفرغ، وحتى لا يعتقد المستهدفون أن المتفرغ، لا زال يعمل باسم التنظيم الجماهيري المبدئي، وحتى لا يعتبر هذا التنظيم المناضل، قائما على الريع المخزني.

وفيما يخص إعادة تربية العاملين في التنظيمات الجماهيرية، نجد أنه، من الضروري أن يكون لأي تنظيم جماهيري، نظام أساسي، ونظام داخلي، والنظام الداخلي لا بد أن يحدد السمات العامة، التي ينجزها المناضل الجماهيري على أرض الواقع، والجزاءات التي تترتب عن الإخلال بتلك السمات، وغير ذلك، مما له علاقة بالعمل الجماهيري، وبالمحافظة على التنظيم الجماهيري، وتقويته، وتغلغله في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة، ومساهمته في تحقيق طموحاتها القريبة، والمتوسطة على الأقل، وعقد ورشات تكوينية دورية، إلى جانب الدورات التنظيمية، التي يعقدها التنظيم حول مضامين النظامين: الأساسي، والداخلي، وحول البرنامج الجماهيري للتنظيم الجماهيري، على مستوى البناء، وعلى مستوى الأجرأة، وعلى مستوى التحيين، حتى يصير أعضاء التنظيم الجماهيري، على بينة من السمات العامة، والمشتركة للتنظيم الجماهيري، ومن الجزاءات، ومن البرامج، وكيفية أجرأتها، وتحيينها... إلخ.

وبالإضافة إنجاز ورشات أخرى لصالح الأعضاء، لرفع مستواهم النظري، والعملي، في أفق أن يقوم الأعضاء بدورهم الكامل، في تغيير منظومة القيم، في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة، وبالتالي، فإن أي عضو في التنظيم، تفرغ لصالح التنظيم، ولخدمة مصالح الجماهير الشعبية الكادحة، سيكون رهن إشارة التنظيم، ورهن إشارة الجماهير الشعبية الكادحة، ورهن إشارة الواجب، مهما كان تحمله صعبا.

وتفعيل عوامل وضع حد للريع المخزني، بموازاة مع تفعيل الدورات التكوينية، لصالح الأجهزة، ولصالح المنخرطين، لا بد أن يؤدي إلى إيجاد تنظيمات جماهيرية نوعية، تقوم بدورها كاملا، لصالح الجماهير، ومع الجماهير، في أفق أن تكتسب الجماهير منظومة القيم النبيلة، التي ترفع مستوى عملها، من أجل تحسين أوضاعها المادية، والمعنوية، والفكرية، والحقوقية، وغير ذلك، حتى تنخرط، ومن الباب الواسع، في إنتاج التقدم، والتطور.

سبل تخلص التنظيمات الجماهيرية من الانتهازية:

والتنظيمات الجماهيرية، لا يمكن أن تقوم بدورها كاملا، ما لم تتخلص من الممارسة الانتهازية، التي تفسدها، وتفسد ممارسة مناضليها، وتفسد علاقتها، وعلاقة مناضليها بالمستهدفين، وبالجماهير الشعبية.

ذلك أن عادة سيئة ترسخت في العديد من التنظيمات الجماهيرية، مما حولها إلى مجرد مجال لتصريف الانتهازية، وتفريخها على المدى القريب، والمتوسط، حتى يضمن المنتهزون الفرص، للاستفادة على المدى البعيد.

فالانتهازيون يظهرون إخلاصهم للتنظيم، وحرصهم عليه، وهم يتفوقون فيما يبدونه، وفيما يدعون، على الأوفياء من مناضلي التنظيمات الجماهيرية، إلى هذه التنظيمات، وإلى المستهدفين بها، وإلى الجماهير الشعبية الكادحة. وعندما يتمكنون، يتنكرون إلى كل ما كانوا يدعون، وإلى ما كانوا يبدونه من إخلاص للتنظيم، وإلى المستهدفين، وإلى الجماهير الشعبية الكادحة، لينصرفوا إلى استغلال التنظيم الجماهيري، فيما يخدم مصالحهم الخاصة، كما يوظفون أي تنظيم آخر، كيفما كان؛ لأن الانتهازي المصرف للانتهازية في التنظيمات الجماهيرية، يعتبر تحمله لمسؤولية تنظيم جماهيري معين، أو لمجموعة من التنظيمات الجماهيرية، وغير الجماهيرية، عملة صعبة، ترفع مكانته في المجتمع، مما يسهل عليه تصريف انتهازيته في المجتمع، وفيما بين المستهدفين، وعلى الإدارة في القطاعين: العام، والخاص، والانصراف إلى البحث عن عمل، أو عن مجموعة من الأعمال المدرة للدخل.

وسبل التخلص من الممارسة الانتهازية، تتمثل في:

أولا: الحرص على مبدئية التنظيم، حتى يلتزم بخدمة مصالح المستهدفين، ومصالح الجماهير الشعبية الكادحة، ومصالح التنظيم نفسه، وحتى لا ينساق وراء خدمة مصالح الجهاز، أو الأجهزة البيروقراطية، أو خدمة مصالح القائد، الذي يلجأ إلى توظيف التنظيم، في خدمة مصالحه الخاصة، عن طريق ممارسة الابتزاز على المستهدفين، والمنخرطين، وعلى الجماهير الشعبية، وعلى الإدارة في القطاعين: العام، والخاص.

ثانيا: الحرص على احترام المبادئ المعتمدة في التنظيم، وعدم التسامح مع من لا يحترمها، حتى تتم المحافظة على هوية التنظيم الجماهيري، المتجسدة في احترام تلك المبادئ، وخاصة إذا كانت هي الديمقراطية، والتقدمية، والجماهيرية، والاستقلالية، والوحدوية، والكونية، والشمولية، التي تعمل بعضها، أو كلها، على تحصين التنظيمات الجماهيرية.

ثالثا: الحرص على تفعيل ما يعتمد من المبادئ المشار إليها في التنظيم الجماهيري، لضمان استمرارها في الحياة، ولوقوفها وراء تفعيل التنظيم الجماهيري، حتى يصير دوره واردا في الحياة العامة، وفي صفوف المستهدفين، وباقي الجماهير الشعبية، من أجل خلخلة منظومة القيم القائمة، التي تحل محلها قيم بديلة، تؤثر في مسلكية الأفراد، والجماعات.

رابعا: الحرص على تفعيل مبدإ النقد، والنقد الذاتي، حتى يصير ذلك وسيلة لتقويم الممارسة الفردية، والجماعية، ومن أجل أن تكون الممارسة القويمة، في خدمة المستهدفين بالتنظيم الجماهيري، وفي خدمة الجماهير الشعبية الكادحة، بالخصوص.

خامسا: الحرص على تفعيل مبدأ المحاسبة الفردية، والجماعية، لإعطاء الجانب الإيجابي في تتبع، ومواكبة تنفيذ القرارات، التي يتخذها التنظيم، وما مدى نجاعة التفعيل في صفوف المستهدفين، وفي صفوف الجماهير الشعبية الكادحة، وإلى أي حد تقوم الأجهزة المختلفة بدورها الإيجابي، على مستوى التقرير، والتنفيذ.

سادسا: عقد دورات تكوينية لاستهداف تربية القدرات، والكفاءات، على مستوى ضبط التنظيم، وعلى مستوى الأداة، وعلى مستوى استثمار النتائج، لصالح التنظيم، ولصالح المستهدفين، ولصالح الجماهير الشعبية الكادحة.

وهذه السبل، في حالة اتباعها من قبل الجماهير الشعبية الكادحة، لا بد أن تتحول إلى وسيلة لاستئصال الانتهازية من التنظيم الجماهيري، أي تنظيم مبدئي، ومبادئي، يعد نفسه لخدمة مصالح الجماهير الشعبية الكادحة. وإلا، فإن التنظيمات الجماهيرية، حتى وإن كانت تدعي المبدئية، لا بد أن تكون مجالا لتفشي الانتهازية، وفي خدمة الانتهازيين الذين يصلون إلى مسؤولياتها، وإلى أجهزتها المختلفة، التي يوظفونها لتكريس الممارسة البيروقراطية، التي صارت تطبع معظم التنظيمات الجماهيرية، التي صارت لا تستهدف إلا نخبها الانتهازية، لتخلق بذلك مسافة واسعة، بينها، وبين الجماهير الشعبية الكادحة، التي سحبت ثقتها من جميع التنظيمات، مهما كانت هويتها، إلى درجة صعوبة استعادة تلك الثقة، إلا بإعادة الاعتبار للتنظيمات الجماهيرية، على مستوى مختلف السبل، التي أتينا على ذكرها.

ويبقى أن نشير، إلى أن التمسك بالدورات التنظيمية، يعتبر من العوامل الأساسية، إلى جانب ما ذكرنا، التي تساعد بشكل كبير، على تخليص التنظيم من الانتهازيين، الذين يسيؤون إليه، على المدى القريب، والمتوسط، والبعيد، كما يسيؤون إلى الجماهير الشعبية الكادحة.

والتنظيمات الجماهيرية، التي تصير متخلصة من الممارسة الانتهازية، ومن الانتهازيين، لا بد أن تتحول إلى:

أولا: تنظيمات جماهيرية ديمقراطية، تحرص على احترام الديمقراطية الداخلية، التي تصير في خدمة التنظيم الديمقراطي، ولا شيء غير التنظيم الديمقراطي، كما تحرص على دمقرطة الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

ثانيا: تنظيمات جماهيرية تقدمية، تحرص على أن لا تقف برامجها وراء تقدم الجماهير الشعبية الكادحة، وتطورها في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، حتى ترقى إلى مستوى ما عليه الجماهير في الدول المتطورة والمتقدمة.

ثالثا: تنظيمات جماهيرية متغلغلة في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة، ومستقطبة لها، ومستجيبة لمطالبها المختلفة، وساعية إلى حضورها في خضم النضالات التي تخوضها التنظيمات الجماهيرية، من أجل فرض الاستجابة لمطالب الجماهير الشعبية، التي تناضل من أجل تحقيقها مختلف التنظيمات الجماهيرية.

رابعا: تنظيمات جماهيرية تمارس استقلاليتها، عن كل أجهزة الدولة، وعن الجماعات، وعن الأحزاب السياسية، بهدف الابتعاد عن الإملاءات، والتوجهات، وغير ذلك، مما يتنافى مع العمل المستقل للتنظيمات الجماهيرية.

خامسا: تنظيمات جماهيرية، تحترم العمل الوحدوي، فيما بين التنظيمات الجماهيرية المناضلة، وتقدره من أجل تحقيق نفس المطالب، ونفس الأهداف المشتركة، مما يجعل العمل الجماهيري يعرف دفعة قوية.

سادسا: تنظيمات جماهيرية، تحترم الكونية، والشمولية، وتناضل من أجل ترسيخ مفهوم الإنسان، وكونيته، وشموليته، من خلال صياغة البرنامج النضالي، وتحديد الأهداف، واستشراف الغايات، في أفق تحقيق مجتمع الرفاه، الذي يصير فيه أي إنسان، بكافة الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.

سابعا: إعداد أطر التنظيمات الجماهيرية المناضلة، على أساس تقبل النقد، والنقد الذاتي، الذي يعتبر مقوما أساسيا للمسلكية الفردية، والجماعية، من خلال إعادة النظر في كل ما يسيء إلى التنظيم الجماهيري، وإلى المنتمين إليه، وإلى المستهدفين به، وإلى الجماهير الشعبية الكادحة.

ثامنا: إعداد مختلف أجهزة التنظيمات الجماهيرية المناضلة، على تقبل المحاسبة الفردية، والجماعية، باعتبارها وسيلة للتعرف على ما تنجزه الأجهزة، وما لا تنجزه، على المستوى القريب، والمتوسط، والبعيد، لتحقيق الأهداف المسطرة.

وماذا استفادت التنظيمات بإنجاز فقرات معينة من البرامج؟

وماذا خسرت بعدم إنجاز فقرات أخرى؟
وما العمل من أجل أن تقوم الأجهزة بدورها كاملا؟

وهكذا، يتبين أنه من الضروري الحرص على تخليص التنظيمات الجماهيرية من الممارسة الانتهازية، ومن الانتهازيين، حتى تعرف تحولا في الاتجاه الإيجابي، وتساهم بشكل كبير في تحقيق طموحات الجماهير الشعبية الكادحة، من خلال تحقيق طموحات المستهدفين، وتبتعد، وبصفة نهائية، عن التوظيف الانتهازي لصالح الانتهازيين، الذين يسعون إلى تحقيق تطلعاتهم الطبقية، وصولا إلى صيرورة التنظيمات الجماهيرية المناضلة، من أجل الجماهير، ومع الجماهير، وبالجماهير، حتى تقف وراء تقدمها، وتطورها.




التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.