خليل عزالدين الجمل.. قبسات من نور شهيد بيروت والعروبة

خليل عزالدين الجمل.. قبسات من نور شهيد بيروت والعروبة

خليل عزالدين الجمل.. قبسات من نور شهيد بيروت والعروبة(*)
سارة الشل
من بيروت الى الاراضي الفلسطينية المحتلة، طريق طويل ربما، لكنه مختصر ايضاً. هو طريق الشهادة الذي شقه خليل عز الدين الجمل ابن بيروت في نيسان 1968 ليرتفع اول شهيد لبناني فداءً للقضية الفلسطينية .
صغيراً كان عندما حمل القضية، لكن ايمانه كان أكبر بكثير من اي عمر يمكن ان تسجله هوية وكان محركه الاول والاخير. خطوات ثابتة رافقت الشاب المراهق ليولد مقاوماً منذ نعومة الاظافر. هو ابن جميع المناطق اللبنانية، تنقل طيفه بين جميع المواطنين الذين حولوا يوم تشييعه الى عرس للشهيد . في عودته كان العرس الوطني الجامع. من فلسطين الى لبنان من جديد هتف الجميع بالقضية وباسم الشهيد الجمل الذي عبر باستشهاده الاوطان وكسر حدود الاديان والمناطق.
القصة لم تخضع لعناصر محددة ترسم من خلالها الأحداث. هي قصة تقع في اللاحدود. تقع خارج الزمان والمكان. غرّدت خارج السرب. أبطالها أرادوا أن يترجموا إيمانهم بالقضية على أرض الواقع. فحفروا أسماءهم في قلب التاريخ ليكونوا هم الحدث وهم القضية. لم يكن نيسان ذلك العام شهراً عادياً، ذلك التاريخ الذي حفر في قلب كل عربي. يومها كانت أشجار الربيع تثمر زهراتها الأولى، لكنها سرعان ما تحولت جميعها إلى شقائق نعمان تيبس بسرعة لكنها لا تذبل. يظل لونها الأحمر القاني ماثلاً كالذكرى في العقل والقلب. هكذا كانت الحال، وهكذا سقط ربيع من لبنان.
هو الشهيد خليل عز الدين الجمل. كان الربيع في تلك السنة، ربيع لبنان وربيع اللبنانيين. ابن السادسة عشرة سنة سقط شهيداً، ليدخل اسمه في ذاكرة الوطن العربي والعالم أجمع.
خليل، الشهيد اللبناني الأول دفاعاً عن القضية الفلسطينية، غادر بيروت في ذلك الوقت ليقول كلمته، ليعبّر في وقت كثرت فيه الأقاويل والأحاديث. لتأتي كلمته وتحسم القضية. إنها الشهادة في سبيل القضية، هذا ما ينشده الوطن. كلمة خطّها خليل لتختصر نبض شباب يعشقون الأرض، ويؤمنون بقدراتهم في قول الكلمة الحق، وإن كان ثمنها أن تسلب منهم حياتهم.
غادر خليل الأراضي اللبنانية في 25 آذار من العام 1968. ترك بيته وأهله وصحبه. ترك الجميع... وذهب. لم يكن هناك وداع مسبق، فهو كان على يقين بأنه عائد. لا يهم كيف، لكنه كان سيعود. رسالة صغيرة تركها على مكتب شقيقه في مكتبة "كراكاس": "أخي نبيل، سلامي لأهلك ولأمي، أرجوك لا تسأل عني. أنا بخير. سأعود". وبالفعل عاد. ربما عرف خليل أنه سيعود شهيداً، ولكنه بالتأكيد لم يكن يحسب حساباً لاستقبال بمئات الآلاف.
ليل السلاح.. صاحي
في العاشر من نيسان، كانت الإشارة. عقارب الساعة تشير إلى التاسعة ليلاً. المكان: منطقة "تل الأربعين". يبدأ التحرك. إحدى وحدات المراقبة الأمامية تكشف دخول قوات العدو الإسرائيلي إلى المنطقة، حيث أقامت جسراً حديدياً متحركاً بالقرب من "بيارة أبو فريدس" في منطقة الأغوار ودفعت على هذا الجسر دبابة وعدداً من السيارات الضخمة. كما قامت طائرة هليكوبتر بإنزال أكثر من ثلاثين مظلياً في المكان عينه أيضاً. ما هي إلا دقائق قليلة حتى اخترقت هذه الآليات الحدود نحو الأراضي العربية. هنا، وفي تلك اللحظة بالذات، كانت قوات "العاصفة" على أهبة الاستعداد، ترابط في كمين خلفي.
خليل كان واحداً من هؤلاء "العاصفيين"، رفض إلاّ أن يكون عنصراً متقدماً في قوة الهجوم. ووقعت الواقعة التي أرادها. خليل وعدد من أفراد المجموعة تمكنوا من محاصرة قوات العدو، وانهالوا عليهم بنيران رشاشاتهم وقنابلهم اليدوية. معركة حامية خاضها الجمل بحماسة شباب لا يعرف الخوف. كان يضع هدفه نصب عينيه، فلا يتوانى عن إتمام المهمة على أكمل وجه.
سقط في المعركة أكثر من عشرة جنود إسرائيليين، بين قتيل وجريح، من مجموعة تضم 75 جنديا من المظليين والمشاة. لم يتوقف إقدام الشباب، وبينهم خليل، عند تقهقر العدو وتراجعه نحو الأراضي الفلسطينية المحتلّة، بل استمروا في ملاحقته إلى أن وصلوا إلى نقطة متقدمة من خط وقف إطلاق النار، حيث كثرت مراكز النجدة التابعة للعدو، فأمر قائد المجموعة رفاقه بالانسحاب إلى مواقعهم بعدما أوقعوا في صفوف العدو 15 جندياً.
واستمرت الرماية داخل الأراضي المحتلة، وبينما كان خليل يحمي انسحاب رفاقه وتراجعهم إلى مواقعهم.. تتركز عقارب الساعة في ذلك الليل "الصاحي". تصيب قذيفة مضادة للدروع كتف الجمل. يهرع الرفاق للمساعدة، فيرفض خليل الانسحاب، ويصرّ على البقاء في موقعه ليحمي بقية الرفاق. ويستمر في موقعه، إلى أن يسقط البطل شهيداً في أرض المعركة.
عرس الشهيد.. يجمع الوطن
في السابع والعشرين من نيسان 1968 مشى لبنان بأسره في موكب الشهيد. يوم تاريخي أضاف إلى القضية أصوات أجراس وكنائس وهتافات شعب أكملت الصوت لتصل القضية. جنازة لم يسبق أن عاش لبنان مثيلاً لها في ذلك الوقت. خمس ساعات عبّر خلالها اللبنانيون والفلسطينيون عن الولاء للشهيد الأول. رسميون، حزبيون، وناس عاديون، من جميع المناطق اللبنانية، على اختلاف انتماءاتهم وطوائفهم واتجاهاتهم توحّدوا في سبيل الشهادة. زغاريد، هتافات، أناشيد، وإطلاق الرصاص في الهواء، وسائل ضاق بها اللبنانيون في ذلك الوقت ليعبروا عن حبهم، وتعاطفهم، وولائهم للشاب اللبناني والقضية الفلسطينية العربية.
في أحداث ذلك اليوم، وصل موكب الجنازة إلى المصنع عند الحدود اللبنانية في تمام السادسة عصراً ليخترق آلاف المواطنين والرفاق من فدائيي العاصفة "فتح". نظرة أخيرة، مرور أخير، قبلة أخيرة، ضاقت بها تحيات المشاركين في الموكب المهيب. على خطى الموكب، سارت الحشود، لينضم جدد مع كل مرور بضيعة جديدة أو مدينة أخرى. هكذا، من الحدود السورية اللبنانية إلى الجامع العمري في وسط العاصمة بيروت، حيث صلى على جثمان الشهيد حشد من الوفود الشعبية والرسمية، وبينهم رئيس الحكومة الدكتور عبد الله اليافي، ومفتي الجمهورية آنذاك الشهيد الشيخ حسن خالد. ومن الجامع العمري انتقل الموكب إلى مقبرة الشهداء.
مشوار طويل خاضه الشهيد البطل من أجل توديع وطنه في تحية الولاء الأخيرة. وأرشيف كبير احتضنته الصحف اللبنانية والعربية والأجنبية لذلك اليوم التاريخي. كلمات سطرت الحدث بتفاصيله الدقيقة. لافتات وهتافات حملها المتظاهرون في وداع الشهيد: "لبيك يا أرض العروبة فلسطين"، "لست وحدك يا خليل الشهيد الأول.. كلنا سنكون شهداء حتى النصر".هتافات ترافقت والأهازيج الفلسطينية التقليدية والعلم اللبناني المكلّل بالسواد.
وتقول الحكاية أن آلاف الأيادي شاركت في حمل النعش، من رياض الصلح إلى الباشورة والبسطة التحتا والفوقا، ومن ثم المزرعة.. وعلى جانبي الطريق احتشد المواطنون ووقفوا على الشرفات يهتفون ويصفقون للشهيد وللموكب الذي امتد من المزرعة إلى رياض الصلح، لتنضم بعد ذلك إلى الموكب تظاهرة حاشدة نظمها طلاب الجامعة الأميركية، انطلقت من رأس بيروت عبر شارع فردان، فالجامعة العربية.
تشييع البطل خليل الجمل كان على قدر التضحية، ليجمع لبنان بأكمله تحت لواء الفتى الشهيد. أشخاص لا تجمعهم صلة به، نزلوا للقائه وتهافتوا لحمل نعشه ومشاركته حلم القضية. أصدقاء مدرسة ورفاق درب ومعارك هتفوا باسمه. عائلته وأقرباؤه وسياسيون أيضاً كلّهم اجتمعوا ومن كل الاتجاهات السياسية لتحية الشهيد، لتلقي فيه الكلمات وتدعو مناصريها إلى أوسع مشاركة من مختلف المناطق اللبنانية. وبعد التشييع مباشرة صدر مرسوم بمنح الشهيد وسام الاستحقاق اللبناني تقديراً لبطولاته وتكريماً له. هكذا كان المشهد وبقيت الصورة التي جمعت أكثر من مئة ألف شخص، من كافة الطوائف والأحزاب في تشييع الشهيد خليل الجمل.
ذاكرة الشقيق تحكي
عند الحديث مع شقيق الشهيد، إبراهيم الجمل، يسود الصمت. لا حديث فوق ما كتب عنه، وما عاش في ذاكرة الصحف وطيات أوراقها. كأنه يريد لذكرى أخيه الرابعة والأربعين أن تكون ذكرى اللبنانيين جميعاً من دون استثناء: "الذكرى للجميع، وأخي الشهيد هو شهيد الوطن بأكمله".
يترك إبراهيم الجمل للذاكرة أن تحكي عن أخيه، فهو لا يريد أن يضيف أو يزيد على واقع فرض نفسه بنفسه، فلا يحتاج إلى أي شخص لوصفه أو التكلم عنه. للشهيد في قلب الأخ الذي يكبره بسنتين شهادة ميلاد، وصور ذكريات طفولة سقطت باكراً. يصفه بالوسامة: "كان أنيقاً جداً، هادئاً، متزناً، حاد الذكاء وكثير التأمل". حضور خليل في العائلة كان خفيفاً كنسمة ربيع تأتي بسرعة خاطفة لتضفي على الطقس مرونة وحلاوة وتذهب بسرعة دون وداع.
يتذكر الجمل أخاه الشهيد بصورة الشاب المتزن الذي عرف ما يريده منذ البداية، "ولكنه قليلاً ما كان يتكلم، فهو خجول جداً". صمته هذا تحوّل لاحقاً إلى صوت ضجت به الدنيا، بعد أن تحول إلى فعل استشهاد للدفاع عن القضية الفلسطينية. هو ذلك الشاب الذي تلقى علومه الابتدائية في المدرسة العصرية في بيروت، وأكمل دراسته التكميلية في مدرسة المخلص المسائية، حيث كان يعمل نهاراً ويدرس ليلاً. وتميز خليل بحبه المفرط للمطالعة، خاصة بحكم عمله مع أخيه الأكبر نبيل، حيث كان دائم الاطلاع على كافة الصحف والمجلات اللبنانية والعربية، ليتمكن بعد ذلك من تغذية روحه وشغفه بالمطالعة والمعرفة، من أجل تكوين مخزون ثقافي حول القضايا المهمة، وعلى رأسها الصراع العربي الإسرائيلي، والقضية الفلسطينية بالتحديد.
كلمات.. في الشهيد
خليل عز الدين الجمل، ربما كان الفتى الاول الذي حمله أبناء وطنه شهيداً على الأكف في كل لبنان، من مجدل عنجر إلى بر الياس، ومن جديتا وصوفر وعاليه والكحالة إلى الحازمية والضاحية والطريق الجديدة. وكما حملته أيادي جميع اللبنانيين حينها، احتضنته كلمات التأبين والتحية من الزعماء والقادة والسياسيين والصحافيين والفنانين، من مصر جمال عبد الناصر، وغيرها من الدول العربية، إلى بيروت الاختلاف والتنوع..
عبد الناصر: الثقة بالإنسان العربي
الرئيس جمال عبد الناصر وجّه تحية إلى الشهيد خليل الجمل في كلمة ألقاها في نيسان من العام 1968: "اللي عنده 17 سنة و18 سنة، واللي بيقاتلوا في داخل إسرائيل يثبتوا أيضا إن احنا ندّ، ويثبتوا أن الانسان العربي قادر على دفع التحدي. الشاب اللبناني اللي أخد سلاحه وطلع من لبنان وترك رسالة لأهله قالهم أنا ماشي ومش حا غيب.. وحا ارجعلكم، وطلع ودخل مع قوات العاصفة إلى إسرائيل علشان يقاتل في سبيل أرضه ومات ورجعوه امبارح إلى لبنان.. يثبت أن الأمة العربية كلها بكل أبنائها قادرة على تحدي هذا العدوان..".
الرئيس رشيد كرامي (أسبوع الشهيد في جامع المنصوري ـ طرابلس)
"لقد مات خليل باسم لبنان، ودفاعاً عن قضية العرب الأولى، قضية فلسطين.. هو الشهيد في سبيل القضية التي تشد العرب إلى بعضهم البعض، ولبنان الذي شارك مشاركة كلية في المعركة القومية، أعطى بذلك دليلاً قاطعا على وطنية شعبه والإيمان الراسخ بمبادئه وأهدافه التي هي مبادئ وأهداف العرب كافة".
الشيخ بيار الجميل
"إن الكتائبيين في القرى والمدن الكائنة على الطريق من المصنع إلى بيروت، تشارك في استقبال جثمان الفدائي، وحمله على الأكتاف لدى وصوله إلى كل قرية، ونثر العطور على نعشه، وقرع أجراس الكنائس، تقديرا لبطولة هذا الفتى، وإعرابا عن تقدير لبنان لاستشهاده".
حزب الوطنيين الأحرار
"كأنما كتب على لبنان أن يكون دائما في طليعة الركب العربي، يذود عن القضايا العربية ويخص فلسطين بالقسط الأوفى من الاهتمام والتضحيات، فيؤدي واحد من أبنائه البررة الميامين فدية الدم على أرض الوطن السليب..
خليل عز الدين الجمل حمل في عروقه الدم اللبناني إلى فلسطين، ليروي به تربة فلسطين العربية الوجه واللسان، وليثبت لجميع الزعماء العرب أن معركة فلسطين الحقيقية يجب أن تدور مع الغاصبين على أرض فلسطين لتكون كما يجب أن تكون."
غسان تويني (27 نيسان 1968) ـ النهار
"من زمان لم يمت منا شهيد.. شهيد حقيقي.. شاب يُحلّ الوطن في مقام أعلى من الحياة.
من زمان لم يعتبر شاب منا أن ثمة ما هو أثمن من الحياة، هو فداء الحياة.
من زمان لم يكتب لنا أحد بدمه رسالة حرية.
... خليل عز الدين الجمل، تعود إلينا ولم نعرفك. كأنك ما متّ إلاّ لتعرفنا بما فينا. بأن فينا إرادة الحق حتى الموت والإيمان حتى الشهادة".
جان عبيد (25 نيسان 1968) ـ الصياد
"ربما كان خليل عز الدين الجمل أول لبناني يسقي بدمه وحياته تربة الفداء الفلسطيني، ولكنه ليس حتما اللبناني الوحيد الذي تتطلع نفسه وكبرياؤه وكرامته إلى أرض الشهادة.
لقد استشهد خليل الجمل ولم يمت. استشهد حيث اعتقد ان هناك الحياة. الحياة لروحه، لفكره، الحياة لشعبه، لكرامته، لقضيته..
لم يعد الشاب البيروتي الشجاع ملكا لعائلة الجمل. لقد أصبح ملكاً للبنان وللأمة العربية كلها..".
قصائد للشهيد..
وفي مناسبة استشهاده، نظم شعراء لبنانيون وعرب قصائد تشيد ببطولة خليل الجمل وتضحيته، منها قصيدة عبد السلام النابلسي كتبها تحية للشهيد البطل في 6 أيار 1968، ليلحنها الفنان رياض البندك وتغنيها الفنانة نجاح سلام في الجامعة العربية، في 27 أيار 1968. وهذه مقاطع منها:
ما نبت الشعر في أهابه / وما تخطى إلى شبابه / كان في الحياة إلى جواري / ليتني استشهدت إلى جواره
هيا اقرعوا الاجراس في لبنان / واحتشدوا / هيا إلى المآذن يا شيوخ محمد / وأثيروا في المواطن هزة / وتنادوا بالتآخي بينكم..
هيا اشعلوا جذوة من بني غسان / وأعيدوا عهدا من بني قحطان / تحيون فيها ميت الوجدان / وصِلوا الإنجيل بالقرآن..
(*) المصدر: المستقبل/ الاربعاء 5 أيار 2010 - العدد 3643
===========================
خليل الجمل، اول فدائي لبناني في الثورة الفلسطينية

مهند طلال الاخرس

الحوار المتمدن-العدد: 5855 - 2018 / 4 / 24 - 11:27
المحور: القضية الفلسطينية
خليل الجمل ذلك الفتى اللبناني المولد والجنسية وصاحب القلب النابض بالعروبة والمثقف الذي لم يتجاوز عمره السابعة عشرة، مَلك ايماناً عميقاً سكنه وسار على خطوات كاتبي تلك الرسائل فكتب رسالة من كلمات قليلة: "أخي نبيل، سلامي لأهلك ولأمي، أرجوك لا تسأل عني. أنا بخير. سأعود". وضع الرسالة على مكتب شقيقه في مكتبة كركاس حيث يعمل في غرب بيروت، وغادر في 25 آذار عام 1968 الى فلسطين.

لم يعد خليل عز الدين الجمل، مشياً على الاقدام إنما عاد محمولاً على الاكتاف شهيداً، وفي استقباله مئات الآلاف. ليشكل استشهاد أول لبناني في صفوف الثورة الفلسطينية بداية مرحلة جديدة في لبنان ولا سيما في التعاطي مع القضية المركزية للعرب ولاحرار العالم.
نقلت قوات "العاصفة" جثمان الجمل، الى بيروت ليتم تشييعه. وكان في صحبة الجثمان رفاق السلاح الذين تحدثوا عن اقدام الشهيد وكبريائه وابائه ومناقبيته العظمية. في السابع والعشرين من نيسان/ ابريل 1968 مشى لبنان بأسره في موكب الشهيد. الشهيد في استشهاده شهد على اجتماع اللبنانيين بكل أطيافهم واحزابهم في الجنازة مع قرع اجراس الكنائس واصوات الأذان والتكبير. بدأ الموكب الكبير من شرق لبنان حيث وصل موكب الجنازة إلى المصنع عند الحدود اللبنانية السورية في تمام السادسة عصراً ليخترق آلاف المواطنين وفدائيي "العاصفة". اصطفت الجموع على اطراف الطريق من البقاع اللبناني الى العاصمة بيروت حيث اقيمت الصلاة على الجثمان في المسجد العمري الكبير في العاصمة، ومن الجامع العمري انتقل الموكب إلى مقبرة الشهداء.

كانت جنازة مهيبة للشهيد، بثت الروح الوطنية في الشعب اللبناني خصوصاً مع كتابات هامة نقلتها الصحافة اللبنانية، والهتافات التي اطلقها المشيعون واللافتات التي كتبت عبارات كثيرة منها: "لبيك يا فلسطين"، "تعيش العروبة"، "على دربك يا خليل".

تسابقت آلاف الأيادي في حمل النعش، من منطقة رياض الصلح إلى الباشورة والبسطة التحتا والفوقا، ومن ثم المزرعة. واحتشد على جانبي الطريق المواطنون ووقفوا على الشرفات يهتفون ويصفقون للشهيد وللموكب الذي امتد من المزرعة إلى رياض الصلح، لتنضم بعد ذلك إلى الموكب تظاهرة حاشدة نظمها طلاب الجامعة الأميركية، انطلقت من رأس بيروت عبر شارع فردان، فجامعة بيروت العربية.
وبعد الجنازة المهيبة ليس كما قبلها، فقد أصبح الجمل رمزاً يحتذى عند الشباب اللبناني الذي انضم قوافل في حركة فتح وبقية الفصائل الفلسطينية والمقاتلة ضد الاحتلال ولتحرير فلسطين.
خليل عز الدين الجمل، يكاد يكون الشهيد الوحيد الذي حمله أبناء وطنه على الأكف من مجدل عنجر إلى بر الياس فإلى جديتا ومكسي وصوفر وعاليه والكحالة والحازمية والضاحية والطريق الجديدة، وواكبته بعد الصلاة عليه من بيت أبيه عز الدين الجمل إلى مقبرة الشهداء.

صغيراً كان عندما حمل القضية، لكن ايمانه كان أكبر بكثير من اي عمر يمكن ان تسجله هوية وكان محركه الاول والاخير. خطوات ثابتة رافقت الشاب المراهق ليولد مقاوماً منذ نعومة الاظافر.

الشهداء كثيرون، كرمل الشاطئ، كصخور الجبل، لكن فتى الثورة الأغر وشهيدها اللبناني الأول، خليل عز الدين الجمل، يظل متمتعاً بشرف السبق. فمن هو، وما هو السبق الذي ميّز الشهيد خليل الجمل عن غيره؟

خليل عز الدين الجمل (21 كانون الثاني/يناير 1951 - نيسان/أبريل 1968) هو شاب لبناني أول من استشهد من اللبنانيين في سبيل القضية الفلسطينية والذي سقط في الأردن في نيسان 1968م فيما عرف بمعركة تل الاربعين. وكان استشهاده الشرارة التي شجعت شباب عرب من غير الفلسطينيين على المشاركة في النضال إلى جانب الفلسطينيين.

ولد في 21 يناير 1951 لأبوين لبنانيين هما عز الدين محمد الجمل والسيّدة وداد مصطفى شهاب. تلقّى علومه الابتدائية في "المدرسة العصرية" ثم أكمل دراسته التكميلية في "مدرسة المخلص" المسائية. عمل نهاراً ودرس ليلاً. وبحكم عمله مع أخيه الأكبر نبيل في المكتبة كان دائم الاطّلاع والقراءة، ما مكّنه من تكوين ذاكرة ثقافية عن الصراع العربي الإسرائيلي.

عند الساعة التاسعة من مساء يوم العاشر من نيسان 1968، تلقت مجموعة فدائية فلسطينية إشارة من احدى وحدات المراقبة الأمامية بدخول القوات الإسرائيلية إلى منطقة "تل الأربعين" !ذ أقاموا جسراً حديدياً متحركاً بالقرب من "بيارة أبو فريدس" في منطقة الأغوار ودفع على هذا الجسر دبابة وعدداً من السيارات المصفّحة. كما قامت طائرة هليكوبتر بإنزال أكثر من 30 مظلياً في المنطقة. اخترقت الدبابة والسيارات الحدود وتقدمت داخل الأراضي العربية حيث كانت وحدة مراقبة تابعة لقوات "العاصفة" ترصد تحركاتها وما أن وصلت إلى "زبارة" قرب "تل الأربعين" حتى أبلغت وحدة المراقبة مجموعة من "قوات العاصفة" كانت ترابط في كمين خلفي. كان خليل من أفراد هذه المجموعة، فتوزعوا على ثلاث وحدات، وبحركة التفاف حاصروا قوات العدو وفاجأوها بنيران غزيرة من رشاشاتهم والقنابل اليدوية، فارتبك رتل العدو المتقدم وكان يضم 75 جندياً من المظليين والمشاة فتجمعوا خلف الآليات المصفحة بعد أن سقط منهم 10 جنود بين قتيل وجريح. وأمام صمود الفدائيين، بدأت قوات العدو بالتقهقر وهي تحمل قتلاها وجرحاها من منطقة الاشتباك. كان خليل بين عناصر المجموعة التي طاردت فلول العدو المندحرة وهي تتراجع إلى مواقعها داخل الأرض الفلسطينية المحتلة، واستمروا في مطاردة القوات المتقهقرة حتى وصلوا إلى نقطة متقدمة من خط وقف اطلاق النار حيث كثرت مراكز النجدة التابعة للعدو، فأمر قائد المجموعة رفاقه بالانسحاب إلى مواقعهم بعد أن أوقعوا في صفوف العدو 15 جندياً بين قتيل وجريح. واستمرت رماية قوات العدو من داخل الأرض المحتلة على المجموعة التي لاحقتها، وبينما كان خليل يحمي انسحاب رفاقه وتراجعهم إلى مواقعهم أصيب في كتفه فحاول عنصران من رفاقه مساعدته في التراجع ولكنه رفض الانسحاب وأصرّ على البقاء في موقعه ليحمي انسحاب بقية رفاقه وكان أن عاد بقية رفاقه إلى قواعدهم سالمين وسقط خليل بالإضافة لشهيد فلسطيني أخر هو علي عبد القادر حيان في أرض المعركة.

صغيراً كان عندما حمل القضية، لكن ايمانه كان أكبر بكثير من اي عمر يمكن ان تسجله هوية وكان محركه الاول والاخير خطوات ثابتة وبوصلة واضحة رافقت الشاب المراهق ليولد مقاوماً منذ نعومة الاظافر.

الشهداء كثيرون، كرمل الشاطئ، كصخور الجبل، لكن فتى الثورة الأغر وشهيدها اللبناني الأول، خليل عز الدين الجمل، يظل متمتعاً بشرف السبق بالانتماء الى صفوف الثورة الفلسطينية وبقرع الجرس وبطبعه قُبلة الانتماء لقِبلة الارض فلسطين.

ولعلنا نفهم الاسبقية والزلزلة التي أحدثها خليل الجمل برميه حجرا في البحر العربي الراكد، ما قاله الزعيم الخالد جمال عبد الناصر في حقه عند حديثه عن الثقة بالإنسان العربي، حيث وجه له تحية مباشرة في كلمة ألقاها في نيسان من العام 1968 قال فيها:
"اللي عنده 17 سنة و18 سنة، واللي بيقاتلوا في داخل إسرائيل يثبتوا أيضا إن احنا ندّ، ويثبتوا أن الإنسان العربي قادر على دفع التحدي. الشاب اللبناني اللي أخد سلاحه وطلع من لبنان وترك رسالة لأهله قالهم أنا ماشي ومش حا غيب.. وحا ارجعلكم، وطلع ودخل مع قوات العاصفة إلى إسرائيل علشان يقاتل في سبيل أرضه ومات ورجعوه امبارح إلى لبنان.. يثبت أن الأمة العربية كلها بكل أبنائها قادرة على تحدي هذا العدوان".

ولم تكن اسبقية الجمل اللبنانية اقل تأثيرا مما احدثه عربيا، ولعلنا نجد في رثاء غسان تويني له ما يوصف هذه الحالة التي احدثها: "من زمان لم يمت منا شهيد.. شهيد حقيقي.. شاب يُحلّ الوطن في مقام أعلى من الحياة. من زمان لم يعتبر شاب منا أن ثمة ما هو أثمن من الحياة، هو فداء الحياة. من زمان لم يكتب لنا أحد بدمه رسالة حرية.... خليل عز الدين الجمل، تعود إلينا ولم نعرفك. كأنك ما متّ إلاّ لتعرفنا بما فينا. بأن فينا إرادة الحق حتى الموت والإيمان حتى الشهادة".

ان حدث وزرت مدافن الشهداء في بيروت ستجد قبر خليل الجمل يتوسط المقبرة كالعلم فقرأ لروحه الطاهرة الفاتحة واقرئه منا السلام ، وان حدث وتجولت في شوارع بيروت ستجد شارعا بإسمه في الرملة البيضاء، هذا الشارع له وقعه الخاص في النفوس، ان سرت فيه تذكرت خليل الجمل حتما، فطيفه كإسمه لا يغادر المكان.

*المراجع
-موقع وكيبيديا
-مراجعات مع اللواء راجي النجمي، واللواء فؤاد البلبيسي "موريس"
-خليل عزالدين الجمل، قبسات من نور شهيد بيروت والعروبة، صحيفة المستقبل، عدد 5 أيار 2010 - العدد 3643.
-غسان تويني، افتتاحية جريدة النهار، 27 نيسان 1968، النهار
-موقع حركة فتح، مفوضية الاعلام والثقافة
-دراسات وتجارب ثورية "كراس"، الشبيبة الفتحاوية/الاردن
-نبيل الجمل شقيق الشهيد خليل الجمل صفحة الفيسبوك
-محمود شكر الله عباس، خاص مجلة القدس العدد السنوي 333، خليل عز الدين الجمل: أنا بخير وسـأعود
-بوستر الشهيد خليل الجمل، اصدار اعلام حركة فتح.



التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.