الناقدة والأديبة السورية "نجاح إبراهيم"… في سطور وحوار الثقافة

الناقدة والأديبة السورية "نجاح إبراهيم"…   في سطور وحوار الثقافة

لشبكة صحيفة منارة الشرق للثقافة والإعلام _ سوريا:

كتبت الناقدة والأدبية السورية نجاح إبراهيم بقلمها:
" سرُّ النجاح فيبقى مفتاحاً في يدي ، لا يغادر عطرها ، فأصابعي أوْلى بالاحتفاظ بهذا السرِّ المقدّس "

ثم خطت بيراعها:
"ليس غريباً
ان يُضوّئ قمرٌ ليلَ دمشق
ضوؤه يمتطي البيوت المعلقة
في الجبل
كقصائدَ ناهضة في نبضي
ولكن الغريب
أن تعكسَ بهاءه
كلُّ مرايا الشام
وآخرها مرآة قلبي."

وهنا سطرت بأجمل المعاني آصالة روحها العابقة بزهر الياسمين الدمشقي فكانت احدى أساطير الثقافة الخالدة التي تحيا بنا دونما براح ولعلنا هنا نقف أمامها مزهوين بجمال المفردات والكلمات التي قد باحت بسرها فوقفنا أمامها مصغين متأملين وقد صمت مِنا الكلام منصتين لأثيرها الذي ما كان له أن ينضب في حضرةِ السؤال…


حاورها في الإعداد والتقديم والسؤال… المستشار الإعلامي لشبكة صحيفة منارة الشرق للثقافة والإعلام - لبنان/ الأستاذ الصحفي: أيمن قدره دانيال

س1- الأديبة والناقدة السورية نجاح إبراهيم كيف تقدّمُ نفسها لقراء صحيفة منارة الشرق للثقافة والإعلام؟

ج- أديبة من سوريا ، أتنفسُ الأدب هواء ، فأنسجه من خلاياي، كتبتُ في كلِّ الأجناس الأدبية، كالرّواية والقصّة والشعر والنقد والدراسات الأدبية، ونقد المسرح والسينما و أدب الأطفال.
لي خمسٌ وعشرونَ مؤلفاً ، بعضها طُبع مرّتين. فزتُ باثنتي جائزة محلية وعربية وعالمية أهمها جائزة تشوقواروا العالمية عن مجمل الأعمال الصادرة.
ترجمتْ بعضُ أعمالي إلى لغاتٍ عدة ، وصدرت كتب عني.
لي مشروعي الأدبي ، أظنني أغذُّ السير فيه ، أزرع نجوماً وأقطفُ أقماراً، وألوّح بكفٍّ من عطر ووجع .

س2- هل استطاعَ النقدُ البناء إيصال المعلومة المفيدة للقارئ العربي ، و ماهو دور الناقد في ايصال تلك الأمانة الفكرية للمتلقي على حدّ سواء؟.

ج- لا أظنُّ أنَّ هناك نقداً في الوطن العربي، نحنُ نفتقدُ إلى هذا الجنس الأدبي، الذي رحل عنا ، وما نقرأه الآن مجرد انطباعات تُكتب للإرضاء الكاتب .
النقدُ البنَّاء رحلَ برحيل الناقد الذي عبّر عنه ستيفن بيرن قائلاً :"إنَّ عصر التقييم والناقد الخبير والوسيط الدلالي الثقافي قد ولى."والسبب تلك الكتابات الهجينة التي نجدها بكثرة ، والتي تنعت بعدم الفصاحة، وأخطاء الكاتب الكثيرة، واستسهال أفكاره وتكرارها ، وهذا ما ينفّر القارئ فكيف بالناقد؟!
لهذا قطع الطريق بالناقد، فلم يستطع إيصال الأمانة ليكون في عزلة فكرية..
أستطيعُ القول : إنَّ النقد الآن في حالة احتضار ولا ينقذه إلا إزاحة سكرات الموت من حنجرته.

س3- من خلال بحثك كناقدة أدبية وفكرية ما هي العقبات والتحديات التي تواجهك في مسيرة عملك ذاك؟

ج- ندرة النصوص التي تفتح القابلية للكتابة عنها ، وافتقارها إلى الابداع ، وما يكتبه الشعراء من قصائد مكرورة من فكرة وصور وأسلوب يفتقدُ إلى الجمالية والانزياح والدهشة ، وثمة عقبة هي أية مدرسة يمكن أن يتبعها الناقد ، وأي منهج ؟بالنسبة لي أنا لا أسلك طريق النقد كما يجب، أعتمد فيما أكتبه على مزج بين الموضوعية والذاتية، ثم أركب مطية اللغة الشعرية العالية ، أمّا بالنسبة إلى السرد فأعتقد أنه أفضل حالاً من الشعر ، فالحروب الآن تمدُّ السّارد بمديات من الأفكار والأحداث والشخصيات. الآن عدتُ إلى النقد في فنِّ السينما ، وأرى أن ما يقدّم من أفلام جدير بالاهتمام ، على الرغم من الصعوبات القاسية "المادية"منها بالدرجة الأولى والتي تقف حائلاً من ازدهارها، ولكن المادة الفلمية تقترب كثيراً من الواقع المرتجى .

س4-ما أهم أعمالك الأدبية على الساحة العربية، وليتنا نطّلع على تلك الإبداعات المتواصلة لك؟

ج- لي خمس وعشرون مؤلفاً وعدد من المخطوطات تنتظرُ رضاي عنها لتظهر إلى الضوء.
بعض المؤلفات تجدها على غوغل ، وبعضها على موقع اتحاد الكتاب في دمشق، وببعض دور النشر في العراق وسوريا ومصر ولبنان.
بينما ما أكتب من شعر، وبعض النقد ممكن أن تتابعهما على صفحتي.

س5-وطنك في محنةٍ عصيبةٍ كيف تسطرين حبّ الوطن في كلمات ، ولمن تهدين رسالة المحبة والسلام؟

ج- الوطن "سوريتي"لم يغب قط في كتاباتي ، فهو الأرض والنبض، والأهل والأحبة ، تجده في كلّ قصيدة ورواية كمكان يضج بالعطاء والحضور، يكون في رائحة الشام ، المطر، الياسمين ، يلون قصائدي بقزحيته ، ويستحيل مرجاً من عطر.
القصيدة تستطيعُ أن تكون الوعاء الأجمل لاحتضان ما ينتابُ الشاعر من أحلام ورؤى، وهواجس، وآلام، وجراح حول وطنه ، كتبت الكثير عنه، مزدحمة كلَّ وقت بحالاته ، في كلِّ دواويني يمتدُّ على مساحاتها كنسر ومزنٍ .
وقد توشت القصائد بما ناب الوطن من خراب آناء الحرب الكونية عليه ، فلكَ أن تتصوّر مدى الألم والتفجع والغصص بما حصل ، وكيف للجمال أن ينطفئ بالرصاص والقنابل ، فيعم الدمار، بيد أن الشاعر عليه أن يتمسك بالأمل والنصر والحلم، وبأقمارٍ خضرٍ تتراقص أمام عينيه، فالوطن ناهض أبداً في الدم :
"ليس غريباً
ان يُضوّئ قمرٌ ليلَ دمشق
ضوؤه يمتطي البيوت المعلقة
في الجبل
كقصائدَ ناهضة في نبضي
ولكن الغريب
أن تعكسَ بهاءه
كلُّ مرايا الشام
وآخرها مرآة قلبي."

س6-ماذا أضافت لك تجربة الكتابة ، والنقد وإلى من تُهدين سرَّ نجاحك الزاخر بالعطاء؟

ج- أشكرك على وصفك بمنجزي أنه زاخر، فأنا أتمناه كذلك لأوفي ما علي من دين لمكان وزمان وأشخاص، الكتابة كان لابدَّ منها ، فالعزلة التي وضعتُ نفسي فيها وأنا صغيرة جراء غصص، وعدم تأقلمٍ مع المحيط ، أثمرت تأملاً، ورغبةً شديدة إلى الكتابة ، وهذا ما جعلها المنقذ الوحيد لي ، أي العكاز كما قلت سابقاً، أتوازنُ بها وأنا أمشي على حبل دقيق يربطُ بين جبلين وربما عالمين ، هكذا أحسُّ بنفسي في هذا العالم الذي لا يحتمل، حتى باتت الكتابة سلاحَ مواجهة، أقارعُ بها الصعوبات ، لقد عبّرت من خلالها عما في نفسي، وما يجري من حولي على لساني وألسنة الشخصيات في السرد كما في الرواية والمسرح والقصة ، أما النقد، فجاءَ فٍي وقت خلعتُ نفسي من نصوصي، ورفعت رأسي عن ورقي لأسترق النظرَ إلى نصوص الآخرين ثم أنصبُ نفسي قاضياً دون مطرقة في الجمال والأنق الأدبي .
أما سرُّ النجاح فيبقى مفتاحاً في يدي ، لا يغادر عطرها ، فأصابعي أوْلى بالاحتفاظ بهذا السرِّ المقدّس.

س7-ما هي نظرتك الآنية لواقعنا العربي ، وهل استطعنا كمفكرين عرب إيصال الفكرة الجيدة لعقلية القارئ المتلقي لتلك الافكار؟

ج- الواقعُ العربي متدهورٌ من الناحيتين السياسية والاقتصادية جراء الحروب والاضطرابات والفساد والأنظمة المستبدة ، بينما الأدب فهو منتوجٌ تخييلي يعتمد لغة ورؤى ، به تكون بوصلتنا حول ما يجري حولنا ، و العالم ، فالأدب يتجاوز محاكاة الواقع وبالتالي يستطيعُ أن يقدّم الصورة الجيدة للواقع ، أو الطموح إليها ، لأنَّ الأدب يطرح أسئلة تفتحُ عقلَ القارئ الذي يبتغي من خلال قراءته أن يجد أجوبة، ولكن لا يمكن أن ننسى أن معظمَ الشعوب العربية نأت عن القراءة وباتت أمتنا صاحبة الأبجديات والحضارات والقراءات أمة لا تقرأ، فكيف ستصغي إلى مفكرٍ أو كاتب أو ...أعتقد أن منْ يقرأ هي الفئة المثقفة فحسب، فالجدير بحلِّ هذه المعضلة التفات الحكومات العربية إلى الشعوب وتشجيع القراءة، وتخفيض سعر الكتاب وترسيخ فكرة القراءة بجوائز بدل جوائز سباق البعير والحمير ومسابقة أجمل تيس أو جربوع.

س8-من الذي يُسهم في بناء أمة عربية ذات طابعٍ ثقافي من وجهة نظرك ، وما هو دور المثقف العربي في هذا الشأن؟

ج-كأمة عربية لا يبنيها سوى الأبناء ، وذلك بالحفاظ على أرضها وتاريخها ولغتها ، ولعلَّ الآن من يبيعها هم حكامُ دولها الذين لا تهتز لهم شعرة حين يرون جسدها يقتطعه الغرب ويتكالب الآخرون على حضارتها وكنوزها ونفطها ونخيلها وزيتونها.
أما عن دورِ المثقف في التغيير ، يعني أن يضيفَ شيئاً إليها ، بمعنى أن يضيف ما هو جميل وحسن، وأن تكون ثقافته وسيلة لبنائها ، فيحيل الخراب إلى بناء وتنمية ، وأن يكون صوته موقعَ إصغاء وتغيير وبناء، لا بوقاً للأنظمة الفاسدة ، بل ليكن جسراً بين السلطة والشعب ، فالمثقف له قوّة تأثير على المجتمع إذ يخاطب فيه العقل والقلب ، فيه يكون المجتمع آمناً من المستغلين والطامعين والفاسدين ، لهذا على المثقف أن يكون صاحبَ قضية ، مدركاً حجم مسؤوليته ، فهو مسؤولٌ سواء كان مبدعاً أم مدرساً أم ..عن قضايا أمته ، لسان حالها إذ يجسُّ وعي الشعوب حاملاً نبراس الحقِّ والجمال والخير ، فلطالما كان الشاعر في المجتمعات السالفة صوت القبيلة وعنوان وعيها ورقيها حين كان للقبيلة آذانٌ وضميرٌ وترحابٌ.

س9- تعرف الأمم من خلال ثقافاتها ، هل استطاعت الأديبة والناقدة نجاح إبراهيم الاطلاع على ثقافات العالم المتحضر؟

لا يمكن للمبدع الحقيقي إلا أن يكون مطلعاً على حضارات العالم القديم، لينطلقَ إلى ثقافات العالم المتحضر . المبدع عليه أن يكون مخزوناً من المعارف ، وبالتالي الاطلاع على تجارب الآخرين. قرأتُ كثيراً ، لا أذكر نفسي أعبر وقتاً دون رفقة الكتاب ، حيث يكون معي في حلي وترحالي ، حتى إن الكتاب يقاسمني الهواء في رئتي، ويعج صخبه في سريري.
الكتب لا تفارقني، تغازرت ذات وقتٍ في مسكني حتى ضاق ذرعاً بها الارهابُ فأحرقها حين استولى على بيتي، أحرق تلالاً منها؟ ولهذا حين تأتي الفكرة لا يصعبُ عليَّ سكبها في أي قارورة، وأي جنس أدبيّ ، وأجزم أن الكتابة حين تحضرُ تنسال من بين أصابعي قبل أن أحدّدَ وجهتها على الورق.

س10- في الختام سلام .. كلمة أخيرة تحبُّ أديبتنا توجيهها لقراء صحيفتنا منارة الشرق تعبرُ بها عما يجولُ بفكرها للقارئ المصغي؟

ج-أحبُّ أن أقول : إنَّ الكتابة تفضي إلى طريق صعبة جداً ، طريق لعينة ، ومقدسة في آن ،الكتابة احتراق ومسؤولية ورسالة ، وهي بحدِّ ذاتها نبيلة ، تحتاج إلى ثقافة عالية ، وجهدٍ وموهبة ، وإني لأستغرب الاستسهال لدى الكثير ممن يدعونها ، ومع ذلك أؤمن تماماً أنَّ القارئ- الذي مازال مثابراً وصامداً- قادرٌ على غربلة الكمّ الهائل الذي يسقط أمام عينيه ، أقول يسقط لأنه بلا جذور ، وبالتالي سيبقى المبدع الحقيقي شمساً ساطعة لا يدانيها غروب، جزيل الشكر لصحيفة منارة الشرق ولأسرة التحرير ولرئيسها العام ولك أستاذ أيمن لهذا الحوار الممتع في رحاب الثقافة .
1/5/2019




التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.