الرحيل المرّ… كتب: قصي المحمود بقلمه

الرحيل المرّ…    كتب: قصي المحمود بقلمه

القصة الثالثة..

وجوه صامتة يكسوها الذهول ومثابات منها متناثر ومنها متراص كتبت عليها اسماء,رؤى تتداعى عبر تقاطعات مبهمة,كل ما حوله يكاد يكون خاوٍ من الملامح ,عويل هناك ونحيب مبحوح هناك وبكاء خافت وأخرون يتمتمون بتعويذة ومنهم من يقرأ سورة من القرآن الكريم ,هو أخر الراحلين من اخوته بعد أبيه وأمه....لم يستوعب أن يكونا عظاما رميم تأكلهما الديدان,اشجار هنا وهناك زرعها احياء يعطوها معنى حب الخلود,ازهار الوانها باهتة تشكو عطشها وشجيرات عقيمة الثمر, تمتم رباه كم أمقت ذالك الرجل النحيل وهو ينتزع التراب بهمة عالية وحرفية وبنفس الوقت اعتاد دس الأجساد في اللّحد وأهالة التراب عليها ,فقد الأحساس بالوداع المرّ,مهنة قاسية وقليل من يجيدها ,فوجهه الخالي الملامح ومتربة حاجبيه من التراب المتطاير وأذناه لاتسمع نحيب وعيونه لا ترى دموع وقلبه ساكن لا تسرع دقاته لنجوى يتيم ونواح ثكلى,ذلك يعطي قراءة ربما غير منصفة له لو وضعناها في خانة المشاعر ومنصفة بذات الوقت لو وضعناها في خانة المهنية,كم حفرة حفر هذا اليوم وهم أخر القادمين,فعندما يحل المساء تقفل المقابر..كان يقف قبالة الحفره وهم ينزلون الجسد الصامت إليها,يختلط نواح ارملته مع نجوى أيتامه مع دموع صامتة تتقاسمها عيناه وفمه ,اسئلة غريبة تدور في ذهنه المتعب والمشوش بوجع الفراق ,أتلك حتمية العدم الملازمة للحياة؟..جدلية معقدة ..ممتلئة وفارغة ..بون شاسع بين الصرخة الأولى والشهقة الأخيرة وما بينهما تولد البراءة مع الأولى وترحل مع الثانية الخطايا ,تورق البراءة ثم تموت رويدا رويدا مع اقتراب ولادة الخطايا ,الكل خطائون وليسوا ملائكة ولكن بنفس الوقت ليسوا شياطين...ايقظه من شروده الذهني قاريء القرأن الكريم ,..لينتهي بالدعاء والأهالة للتراب ..ذهول للفراق ...نظر بعين مشدوهه وهو يعجز عن التعبير عن فحوى الوداع,فرقة أوهنت كاهله وأرهقت ظهره المتعب وأتعبت قلبه الضعيف,وهو يدير ظهره وعلى بعد خطوات تسمرت قدماه غائرة في التراب الرخو,التفت للوراء..كومة تراب علت قليلا عن الارض وأطفال صغار يرشون الماء عليه ,هم يعتاشون على الموتى ويحملون بأيديهم قناني الماء..كان قد اعطاهم بما جادت به النفس ليبللوا القبر حتى لا تطمسه الرياح لحين بناءه,انتبه لرجل في يديه مفكرة يسأله ما أسم (المرحوم)الرباعي..لقبه..كيف تكون لوحته..علو قبره..لم يدري كيف يجيبه..اسعفه بالاجابة قريب له يرافقه..كان مشدوها ..فلا ينطق احدا بأسمه..المرحوم.. لقبه !المرحوم ..المرحوم قبل يومين زاره حينها طلبَ منه المبيت فرفض..قال له..اشتاق أن نسهر معا..لنتذكر شيء من طفولتنا..ابتسم ..اجابه..سأذهب لاختنا قد تشعر بالأحراج امام زوجها ونحن لم نتفقدها منذ زمن اجابه ..يا اخي دعك من هذا فقبل يومين كنا معا عندها...وكعادته ضحك ضحكته المميزه....وأكمل حديثه..ومن ثم سأمر على خالي..لم يدري..لِمَ طلب منه المبيت وهو لم يطلبه يوما منه فداره لا تبعد عنه إلا قليلا..ولم يتعود أن يزورهم جميعا مرة واحدة وبوقت واحد..هناك ظاهرة ربما الأحساس بالرحيل لا يعلمها إلا الله سبحانه تعالى قبل فترة صحبه للمقبرة فقد اشترى قطعة ارض للعائلة حتى يجتمعوا في مثواهم الاخير وكان اولهم فيها حفيده توفى بعد الولادة في البداية رفض..ولكنه احرجه بأن هناك بقايا مبلغ يجب دفعه...وقف امام الارض...قال له ..هنا واريني الثرى ,ابتسم ..وقال له...انا اكبر منك...فأحرص عليّ عند سكني بها,ابتسم ابتسامة غامضة ,عند عودتهم حرص على أن يكون ابنه الصغير معه..فقد كان يصطحبه معه دائما فأختلطت رائحتهما..ضمه إليه وهو يستمتع برائحته الراحلة



التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.