في قلعة جبيل وعمشيت ( ج1 )... كتب: محمد صوالحة بقلمه

في  قلعة جبيل وعمشيت ( ج1 )...  كتب: محمد صوالحة بقلمه


عدنا من متحف جبران وغابة الأرز، رأسي مثقل بالحكايا والصور ، وما إن وصلنا البيت حتى دخلت غرفتي ، صداع يعبث برأسي ، يشاكس مخيلتي ، أسأل نفسي، لماذا عدت من هناك ؟ الجمال في بشري أخاذ، وكذا الحال في الأرز ، ليس جمال الصبايا فقط هو الذي يلفت النظر ، ولكن الطبيعة الباذخة بفتنتها ، الناطقة بالإعجاز الإلهي ما زالت تسيطر على عقلي ، أو ربما خطفت عقلي .
الآن تسيطر علي الصور ، وتداعبني تلك الأحاديث ، تلك الأسئلة التي ربما كانت ساذجة والتي كنت ألقيها على الصبايا اللواتي أضفن على جمال الأرز جمالاً، وعلى عطر المكان عطر أنوثتهن ، أقلب الصور في هاتفي ، يشتد صداعي ، أطير إلى دنيا من الأحلام ، وأسال نفسي : ماذا لو كنت التقيت بأميرة لبنان ، أو سيدة لبنان ، حورية الأرز لونا، تلك التي تسطع شمسا في كل صباح على ضبية أنطلياس ، ماذا تراني سأفعل لو التقيتها ؟ ، وكيف لي أن أتصرف بحضرتها.
لونا سيدة العطر ، أميرة أنجبتها أرزة فصارت أنثى تزاحم الشمس مكانتها ، لونا ابنة البحر والجبل والأرز، تقطع خيالي إنجيليا وهي تطرق الباب حاملة معها قهوتي والكثير من الشكولاتة اللذيذة ، دخلت وهي تقول : محمد عليك النوم باكراً ، لأننا سنتجه للشمال من جديد ،إلى أين ؟
إلى التاريخ ، إلى البحر ، إلى قلعة جبيل ، إلى شاطئعمشيت .
حسناً، ولكن كيف لي أن أنام وجبران يطاردني ، وذاك الصليب المنتصب في الأرز يشاكس روحي ، ويعبث برأسي.
ذاك الصليب يا محمد، أم مَنْ كُن يتزين بالصليب؟ لا تعتقد بأني كنت غافلة عن نظراتك تلك للصبايا ؟ ولست وحدي من انتبه لذلك ، حتى إنجي انتبهت لخالها.
لا أدري ، هل من شيء في لبنان لا يدعو للانتباه ، أرضه والسماء، الشجر، زقزقة العصافير ، وزينة الحياة ، كل واحدة منها تأخذك من الأخرى وتطير بك بعيداً.
- المهم يجب عليك النوم .
- حسناً سأحاول .
-اشرب قهوتك ، وسآتيك بما يجبرك على النوم .
تركتني وغادرت وأنا أشعل سيجارتي ، وأقف على النافذة أتأمل المارين في الدكوانة ، أتأمل تلك الكنيسة الصغيرة ، والنوافذ التي تحيط بها وتأبى الصور أن تفارق خيالي .
عدت لسريري ، استلقيت ، أتواصل مع الأصدقاء في لبنان وفي عمان ، أحاول أن أنام ولكن الصداع يأبى إلا أن يبقى مسيطراً علي .
بعد منتصف الليل بقليل عادت أم نجيب ناولتني علبة البيرة وهي تقول : ألم تنم بعد ، لا علينا المهم في التاسعة صباحاً ستبدأ رحلتنا .
حسنا.
الليل يمرثقيلاً بطيئاً والصور تنثال ، والنهار يأبى أن يأتي .
في حوالي الثامنة صباحاً خرجت من غرفتي ، حلقت ذقني ، بدلت ملابسي ، وما إن عدت للغرفة حتى وجدت القهوة تنتظرني ، شربتها ، ودخنت كثيراً ، وجاء الصوت الملائكي ، صوت إنجي،إنجي الملاك الصغير، تنادي يلا خالو، بابا بيستنا عند السيارة .
خرجنا ثلاثتنا، أم نجيب ( إنجيليا ) ، انجي وأنا،صعدنا إلى السيارة وكان بالانتظار أيضا ابنة أبي نجيب وزوجها وأبناؤها، صعدنا إلى السيارة وامتنعت عن التدخين .
وتبدأ الرحلة نخرج من الدكوانة إلى ميدان جونيه ومن ثم إلى الأوتوستراد، لا شيء يلفت انتباهي ، وتتعلق نظراتي إلى جهة اليمن وكلي أمل أن ينحرف إلى اليمين ، ولكنه تابع المسير نحو الشمال ،نصف ساعة أو أكثر بقليل حتى وصلنا إلى حاجز للتفتيش ، لم نتوقف وتابعنا مسيرنا وقت قليل وكنا نتوقف ، نهبط من السيارة أمام قلعة تحمل من المهابة الكثير ، أم نجيب تقول هذه قلعة جبيل ،هنا يسرقني التاريخ ، هنا كان الفينيق يعلمون العالم رسم الحرف ، هنا البحر يغازل الصمود والتاريخ ، هنا أستذكر تلك الأميرة التي فرت من صور لتبني مملكة قرطاج ، إلى هنا أتى الرومان والبيزنطيون ، إلى هنا أتى صلاح الدين ليهدم أجزاء من هذه القلعة ، وإلى هنا جاء الفاطميون ، والعثمانيون ، هنا شاهد على التاريخ، هذه القلعة التي بناها الفرس ، ومن ثم الصليبيون ، يا الله كم وهبت لبنان ، جمال وتاريخ .
هنا في هذه القلعة كان للحرف الفنيقي أن يولد ، ويعلم الإنسانية الأبجدية،هنا جبيل عاصمة التاريخ والإنسانية ، هنا جبل لبنان أول الجمال ،أول الشعر، أول الحروف ، هنا هذا الشيخ الكبيريداعب بعباءته صخور الشاطئ المقابل ، هنا الناس يدخلون إلى القلعة ولا يخرجون ، أحاول الدخول ..فيقول أبو نجيب:لا تدخل محمد.
لماذا ؟
لأنك إن دخلت لن تخرج إلا بعد وقت طويل، ولا وقت أمامنا.
حسناً.
نعود إلى السيارة وأنا أتأمل المكان وأسأل نفسي : أي قوم كانوا هنا ،أي حظ نالوا وهم يستمتعون بكل هذا الجمال؟
كيف لا يبدعون ، وكيف لا يكونوا أول من كتب ، وهم على عتبات هذا الشيخ الملهم وهذه الزرقة تحيطهم من كل الجهات ، من فوقهم ومن أمامهم ، عن يمينهم وعن شمالهم ، تخالطها الخضرة وعيون النساء؟
نصعد إلى السيارة ونتجه إلى عمشيت ، وتحديداً إلى فندق لاراشيل ، نهبط من السيارة ،وقد سبقنا صهرأبي نجيب وعائلته إلى الفندق ، أتأمل هذا المكان ، شيء من النفور يصيبني ، وأسألني : لماذا لم نبق في القلعة نستذكر ما رحل من حضارتنا وعظمة الأجداد ؟
أثناء مسيرنا باتجاة عمشيت أتواصل مع لونا ... برسالة نصية أقول فيها . أنا في عمشيت ، على حافة الماء اقف أداعب البحر يا أنثى البحر ، وسيدة البحر ، انا على البحر أداعبه وأبحث عن عينيك وحروف قصيدتي .
ويأتيني الرد ، البحر يناديك ، وصوتي يناديك فأي الندائين ستلبي.
*******
من كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة الصادر عن دار الغاية للنشر والتوزيع .



التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.