"عندما يرثي الثائر ثائر "بقلم الأسير الفلسطيني كميل أبو حنيش

"عندما يرثي الثائر ثائر "بقلم الأسير الفلسطيني كميل أبو حنيش


""رحل ثوري ولم يرحل حضوره في القلب""


ثمةَ رجال تصادفهم في الحياة، يكون اسمهم هو هويتهم الشخصية، ولا يمكن لك ان تعرفهم بغير اسمهم الأول الذي يكون في الغالب كافياً من غير أي ملحقات أُخرى كالعائلة واللقب والمُسميات والرتب والنياشين، يُثيرونكَ بحضورهم الطاغي المميز بما يحملونه من لغةٍ في أجسادهم ومن سماتٍ وصفاتٍ في أعماقهم.
لم يكن ثوري أبو جيش قائداً ومفكراً أو سياسياً أو جنيرالاً أو بطلاً من أبطال الوهم، كان شخصية شعبيةً بسيطة تتسم بالعفوية والبساطة وعبقرية الحضور، أجل عبقرية لأن العبقرية ليست حكراً على أولئك الذين انضوى عليهم ذلك المُسمى بسبب ابداعهم أو قيادتهم أو حسن تفكيرهم، فمن عرف ثوري بإسمه الأول الذي يكفيه عن أية توصيفات أخرى يعرف أن اسمه هو هويته وسماته المطبوعة في روحه لا تتغير ولا تتآكل بفعل الزمن، ومن عرفه عن قرب سيظل يتذكر ذلك الطفل والفتى والشاب والرجل الذي حافظ على شخصيةٍ متماسكة ونقية لم تتلوث ولم تتمسح بالألقاب أو تتشدق في التعابير.
وإذا أردنا أن نلخص ثوري بكلمات، هو ذاك الشاب البسيط العفوي.. قصير القامة سريع الحركة.. العصبي وحاد المزاج.. سريع الغضب والاشتعال.. الجريء وطيب القلب.. صاحب الصوت الصاخب والضحكة المُجلجلة.. المرح والشقي في طفولته وشبابه ورجولته.. الشهم والدافئ والودود، هكذا كان ثوري مجيزاً غريباً من الخصال والسمات وعفوية الحضور، وهو ما أكسبه هذا التألق في عيون الناس والمحبة والتقدير في قلوب محبيه.
وإذا أردنا أن نُقسم ثوري إلى مراحل، فهو رجل المراحل بامتياز، ومع كل مرحلة من مراحله كانت تكسبه قيمة جديدة لأنها لم تكن تُغيره من الداخل، بل كانت تضفي على شخصيته الحقيقية جمالاً جديداً وتمنحه القدرة على التأقلم مع مستجدات الحياة.
ففي مرحلة ما قبل الانتفاضة الأولى عام 1987، كان ثوري ابن الازقة والحارات.. الفوضوي والصاخب والمشاغب والشقي.. الأُمي الغير مُكترث بالدارسة، وما أن تأتي مرحلة الانتفاضة الأولى حتى يتحول ذلك الفتى الى ثائر غاضب وأحد نُشطاء الانتفاضة وأبطالها البارزين، جسوراً في المواجهات مع جيش الاحتلال ، ونشيطاً في الفعاليات التي يُنظمها حزب الشعب، ومن طرائف حضوره اللافتة في تلك المرحلة أنه حينما يكون ملثماً في الفعاليات والأنشطة فإنه يبدو معروفاً للجميع، مما يُثير غضبه من قبل الأصدقاء، وتبدأ المداعبات.. فيشتعل ثوري غضباً فيخلع عنه كوفيته لأنه بات مكشوفاً، ولا فارق إن ارتدى الكوفية أو لم يرتديها.
ولأن هذه الشخصية تمتلك دائماً عبقرية الحضور لأنها تحمل في أعماقها المزيد من المُفاجآت، إذ لم يعد يكتفي بفعاليات الانتفاضة الشعبية، وإذا به يُقدم على أفعال تليق بشخصيته جريئة وصادقة مع نفسها، ذات مساء من شهر أكتوبر من العام 1992،فوُجئت بلدة بيت دجن بطائرة عسكرية تحوم في الجبال الشرقية للبلدة، ليتبين بعدها أنها ألقت القبض على ثوري وإثنين من رفاقه بحوزتهم بندقية إنكليزية قديمة ولم يكن السلاح منتشراً في ذلك الحين، غير أن الحكاية لم تنتهي عن ذلك الحد، فبعد حملة اعتقالات واسعة في صفوف كوادر حزب الشعب في البلدة، تبين لاحقاً في أواخر العام 1991 جرى التسلل إلى معسكر للجيش عدة مرات ليتم سحب كميات كبيرة من القنابل والذخائر لنفاجأ ويُفاجئ جهاز المخابرات الإسرائيلية بأن ثوري هو بطل هذه الدراما الثورية، والحكاية أيضاً لم تنتهي عند هذا الحد، فقد صُعقت المخابرات مرة أخرى حين اكتشفت بأن هذا الشاب المغامر واللامبالي والفوضوي هو من ألقى قنبلة يدوية على مركز الشرطة الإسرائيلية في نابلس في بدايات العام 1992.
أجل كان ثوري هو من أقدم على هذه العملية البطولية، وفاجأ الجميع بمن فيهم جهاز المخابرات الذي لم يتوقع أن يكون ثوري هو صاحب هذا العمل، ولولا خطأ بسيط وقع أثناء التحقيق لما كان بوسعهم أن يكشفوا هذه العملية، بعد عام حكم عليه بالسجن سبع سنوات لتأتي بعدها مرحلة أوسلو وتحرر الآلاف من السجون إلا أنهم لم يفرجوا عنه وبقي في السجن حتى أنهى مدة محكوميته.
وفي السجن يولد ثوري من جديد، فتعركه سنوات الأسر وتصقل شخصيته، وسيخرج لنا عام 1999 أكثر صلابة وثقافة ووعياً، ذلك الشاب الذي دخل السجن شبه أُمي وإذا به يتحرر مثقفاً ومصراً على اكمال تعليمه الجامعي إلا أن السجن لم يغير ثوري بالجوهر، بقيت طباعه ذاتها بل وأكثر صخباً بعد أن غدا مثقفاً، وفي جدالاته حامية الوطيس مع رفاق حزبه بوصفه مؤيداً للعمل المُسلح ومعارضاً لاتفاقيات أوسلو.
أذكر أنه زارني في البيت بعد شهرٍ من تحرره من الأسر، وأفصح لي عن رغبته في التعلم في الجامعة وكنت حينها في سنتي الجامعية الأخيرة، شجعته بقوة على التعليم ولكني لم أوفر فرصة مشاكسته ومداعبته لأنه سيغدو جامعياً بعد أن كان أُمياً يكره الدراسة، وفي الجامعة سيكون له حضوره اللافت وسيغدو صديقاً ومحبوباً لدى الجميع، كان يجمع بين بساطة الشاب وصخب الثائر ونقاء المُناضل، وحافظ في الجامعة على ذات الشخصية النابضة الصلبة المرحة والعفوية، وعندما كنت ألتفت إليه حين كان يمشي في ممرات الجامعة بذات هيئته الغاضبة سرعان ما أتذكر شخصيته السابقة المشاغبة والصاخبة وكان مشهد الكتب والكراريس وهو يحملها تثير مُزاح ومداعبات الأصدقاء، فيثور غضبه الممتزج بالشقاوة والمرح، وسيظل ثوري مصمماً على نيل شهادته الجامعية، حتى ينالها ويتخرج من الجامعة.
وبعد انطلاق الانتفاضة الثانية، وقد كنا مُلاحقين أنا وعدداً من أصدقاء ثوري بقي قريباً منا ويسأل عن أحوالنا ويُتابع أخبارنا ويعرض نفسه لأية مهمة قد نحتاجها، وأذكر أنني التقيته ذات يوم في نابلس وعرض استعداده للعمل معنا، ولكنني داعبته بالقول أنه لو بقي لديه سلاح وقنابل من أيام اقتحاماته للمعسكر لكان بإمكانه أن يسلح جيشاً، فكان يهز رأسه بأسفٍ وحزن.
وأثناء سنوات الأسر داومت على متابعة أخباره فعلمت أنه أُصيب بالسرطان، ولكنه عولج وتعافى تماماً وتزوج وأنجب عدداً من البنات، وطوال السنوات الماضية دأبت على محادثته كلما تسنى لي ذلك، وكان يستقبل صوتي بسيل دافئٍ من الترحيب، كان صوته صادقاً وحميمياً يظل يذكرك بالصديق الوفي الذي لن يخذل رفاقه وأصدقائه يوماً، فأثناء عمله في وزارة شئون الأسرى دأب ثوري على متابعة أصدقائه في السجن ولم يبخل علينا يوماً في أية خدمة نريدها، لقد كان يتلقى عشرات الاتصالات من رفاقه واخوانه في السجون، ولم يتردد في اسداء اية خدمةٍ يطلبونها.
وفي الأشهر الأخيرة أخذت حالته الصحية بالتدهور، وعاد لتلقي الجرعات الكيماوية، وكلما هاتفته كنت أُصغي إليه وهو يكاد يختنق بسعاله، وقبل شهر اتصلت عليه فردت على الهاتف بناته يافا ويارا، ولم أتمكن من سماع صوته جيداً لأنه كان في نوبة سعالٍ حادة.
صباح يوم الجمعة السابع من حزيران، كنت أتهيء للاتصال به لتهنئته بالعيد، فعلمت أنه أسلم روحه بالأمس، كان خبر رحيله له وقع الصاعقة علي وعلى عدد من أصدقائه بالأسر، إذن رحل ثوري دون أن نتمكن من وداعه كما يليق بوداع الرجال الحقيقيين، رحل أحد أبطال الانتفاضة الأولى الجسورين، وهو ما يملي علينا جميعاً أن نسعى دائماً لتخليد هذا الطراز من الشباب الذين لم يبخلوا يوماً عن التضحية بحياتهم في سبيل الوطن والقيم التي يؤمنون بها.
ويا صديقي يا رفيقي ثوري.. عذراً لم يتسنى لي محادثتك ووداعك قبل الرحيل، وكأنك اخترت دائماً أن تُفاجئنا في شكل الحضور وفي شكل الغياب، وما يُخفف قليلاً من وطأة الحزن أن الفوارق باتت ضئيلة بين الحياة والموت وبين الحضور والغياب وبين الوجود والعدم في ظل هذا الازدحام في هذا العالم المُكتظ بكل أشكال الفجائع والمآسي والخسارات الرهيبة للأحبة والأصدقاء، شكراً لك لأنك عشت بيننا وفينا هذا القدر من الوقت لكي تورثنا هذا الاعتزاز بك والابتسامة كلما تذكرتك.
وأخيراً.. عزاؤنا الحار لأهله وذويه ورفاق حزبه وأبناء بلدته وعموم شعبه، وداعاً صديقي ودمت خالداً في صدورنا جميعاً.

رفيقك وصديقك الاسير كميل ابو حنيش
سجن ريمون الصهيوني




التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.