الكتاب والمفتاح في (فألهمها فجورها وتقواها) بكر أبوبكر

 الكتاب والمفتاح في (فألهمها فجورها وتقواها)  بكر أبوبكر

الكتابُ عبارة عن كائن حي يحسّ ويشعر، يبكي ويفرح، يُبكيك ويُفرِحك، بل هو يفرح لك، ويهشّ ويبش أو يقطب الحاجبين ويمتنع عنك حين تهجره، فيغلق صفحاته في وجهك.

إن الكتاب المفيد عامّة هدية السماء بحياةٍ على حياة، منحها الله تعالى للبشرية، فمن كَتَبه أعطاك من حياته جذوةَ نار ومشعل فكر ووقود عيش، ومن قرأه لفحته نار أو نور المشعل أو أضاءت له من الدروب الكثير أوالقليل

ولربما يضع الكِتابُ في ذهنك من خزائن الدّر ما يندر الحصول عليه خارجه، فالكتاب كما قالوا قديما أنيس وجليس، وفتنة وعيون تنظر، ويد تلمس، وعناق طالما أحسست به أحس بك فأغدق عليك.

قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ:"الكتابُ هو الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يُغْريك، والرفيق الذي لا يَمَلُّك، والمستميح الذي لا يَسْتِريثُك، والجار الذي لا يَستبْطِيك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالمَلَق، ولا يعاملك بالمَكْر، ولا يَخْدعك بالنّفاق، ولا يحتال لك بالكذب."

كنت بصدد كتابة مقال عن اعوجاج القلم خاصة فيما رأيته من عدد من المثقفين والكُتّاب العرب الذين استلّوا أقلامهم للدفاع عن مواقف أنظمتهم المتأرجِحة هنا وهناك ضد الموقف الفلسطيني المناهض للامبريالية الامريكية.

إعوجّ قلمهم، ومالَئوا السلطان وتاهت منهم الأفكار، وفي تجرد كامل منهم أمام المستعمِر والمحتل واستخذاء (خضوع وذل) طوعي جاوز الحدود (100 ألف متابع من أحد الدول العربية لموقع وزارة الخارجية الاسرائيلية على توتير حسب الإذاعة الاسرائيلية في 7/8/2019)، فتذكرت كتابًا كنت قرأته من سنوات طويلة لنقل من 30 عاما مضت حول: التفكير المستقيم والتفكير الأعوج مؤمّلا أن اقتبس منه جملة أو جملتين منسوبتين للكاتب (روبرت ثاولس) والمترجم حسن الكرمي لأرد عليهم.

فإذ بالكتاب أي كتاب التفكير المستقيم والتفكير الأعوج ينتظرني من زمن طويل! فما أن اهتديت إليه على الشابكة بنسخته الالكترونية الجديدة ومن خلال السلسلة الرائعة لعالم المعرفة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في دولة الكويت حتى وجدته ينتظر!

فاجأني الكتاب الغافي بصحوته عبر ابتسامة لطيفة! لم يُنكرني ولم يجافيني رغم أنني مَن جافيته طويلا، فأرجعتني عيناهُ الضاحكتان لأيام كانت فيه قراءة صفحات هذا الكتاب-وأمثاله- وتحسّس أوراقه، وفهم مضمونه كلّ متكامل تقودك نحو الحب والسعادة، الى الدرجة التي لا تنفك معها أن ترجع له في كل مناسبة، وإن جافيته.

ألم نقل أن الكتاب حياة على حياة، يضع بين يديك من الأفكار ما لا تجده في غيره، ويعكس عليك جلالَه وبهاءَه وحبّه بحيث لا ترى فكاكًا من أسر كلماته وضحكاته وحزنه وابتساماته.

لقد كان يحتضنني بمعنى الكلمة! إذ لم افتح صفحة أو اثنتين حتى استطعت الاستدلال على المقتطف الذي أود نقله بسهولة (في مقال قادم) ها هو يقدم نفسه ثانية-وإن بعد هجران مني طويل-بكل مودّة.

الكتاب هدية السماء للإنسان، فما بالك إن كان الكتاب المذكور هو أم الكتب جميعا، وأقصد هنا القرآن الكريم الذي إن زاملته وأحببته وتقرّبت منه[1] وجدت في كنوزه من الثروات ما قد يفتح لك الباب للقراءة والتعمق في كتب كثيرة تساعدك على فتح المغاليق واكتساب الجوهر من خزائنه فهو مفتاح أسرار وعنوان مودّة، وصِلة لا تنقطع بينك وبين الخالق في علاقة أثيرة، وخاصّة بينك وبينه، بينك وبين الكتاب وبينك وبين ذو الجلال والإكرام.

الذي حفّزني للكتابة في ذلك هو التفكّر[2] والتأمل والنظر المأمورين فيه من الله تعالى بعشرات الآيات القرآنية حين استوقفتي الآية الكريمة (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا-7،8 الشمس) فالله مصدر كل الخير سبحانه، وهو الهادي فكيف يُلهمنا الفجور؟ والفجور ليس السيئة أو الفاحشة فقط بل الفاحشة العلنية الفاقعة! فكيف يكون ذلك؟ أن يكون مصدر الخير كلّه هو ذاته مصدر الشر؟

وفي تأمل عميق ورجوع، فإن الله سبحانه وتعالى هو القادر وهو الخالق وهو الهادي وهل من الهدى أو الالهام هدى؟ أو إلهام للسيء من الأمور؟ تساؤلات قد تقود البعض لفهم الأمر كما يشتهي فيخرج ويفارق، وقد يراه الآخرون وأنا منهم قمة البناء المعجز، والتركيب اللغوي العربي الجميل، وقمة البناء المرغوب فماذا رأيت؟[3]

حسب قواميس اللغة فإن الإلهام هو (مَا يُلْقِي بِهِ اللَّهُ مِنْ أَمْرٍ فِي نَفْسِ عِبَادِهِ الأصْفِيَاءِ لِهَدْيِهِمْ وَاطْمِئْنَانِ قُلُوبِهِمْ)، وأيضا تقول القواميس أنه (إيقاع شيء في القلب يطمئنُّ له الصَّدر ، يَخُصُّ اللهُ به بعضَ أصفيائه)، فكيف يكون إلهام الفجور! ومفهوم الإلهام هنا كما هو جليّ مقصور على الخير؟ لنتفكر.

إن الله سبحانه وتعالى يُلهم الانسان التقوى وهذا جميل ومتوافق، و"يلهمه الفجور" وهذا من النظرة الاولى قبيح! ولكنه ما كان كذلك، لأن القرآن الكريم يفسّر ذاته بذاته ومع الرجوع لتفاسير القرآن الكريم، وأسباب النزول واللغة العربية الجميلة، ولقليل من التفكّر والتدبّر نكتشف وينقشع الضباب وتُسفر الكلمات الشريفة عن أسرارها الجميلة.

إن كان الله تعالى سيُلهم الانسان التقوى فقط، فهل يده مغلولة عن غير ذلك وهو الجبار والقوي والمهيمن و "شديد العذاب"؟ وأين الثواب والعقاب؟

وإن كان مردّه فقط أن يعطيني الحق فقط واضحًا فلم الديانات والرسل والآيات والامتحان؟ هذا أولا، أما ثانيا فأن كان عِلم أو معرفة الفجور من غير ذات الله ففي الكون قوتان تتصارعان وهذا محال بنصوص القرآن، وبمنطق العقل وهذا ثانيا، أما ثالثا فإن الله سبحانه وتعالى يضع في الإنسان أداة الفرز وأداة التنقيب والميزان لسبب (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ[4]-7الرحمان) ما يجعل من اقتران الفجور والتقوى في ذات المنطقة (في النفس البشرية) مقبول بل ومطلوب.

بمعنى آخر أن الله سبحانه وتعالى يُلهم الإيمان لمن يطلبه، أو يجتهد في طلبه، ويلهم التقوى لمن يطلبها، أما عندما يُلهم[5] الفجور فذلك مقترن بالتقوى في ذات المنطقة (النفس)، وفي سياق الامتحان والاختبار والبلاء، وإلا فكيف يتم الفرز والتحديد وتطبيق القانون الإلهي، واستخدام الإنسان الأداة المركزية أي العقل، وتحقيق الخيار إن لم يكن من بين متعدد! ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ (7 الزلزلة)

يجعل الخالق جلّ وعلا في بوتقة واحدة، في مكان واحد، في منطقة واحدة كل من الايمان والجحود، أو التقوى والفجور معا، ويزودنا بأداة الفرز الثمينة، أداة الفصل أداة التفكير وتحقيق التوازن وهي العقل...لنستخدمها! والا فلماذا الإصرار الرباني على التفكر والتدبر والتأمل والنظر؟

إن إلهام الفجور بمعنى التعريف به هنا أو وضعه مع نقيضه مقترنا بذات المكان أكثر أهمية من إلهام التقوى لوحدها، ففيه حقيقة الحرث في حقل الذات كما أسماها علي شريعتي، وفيه تحقيق الجهاد الداخلي والجهاد الخارجي أي بخوض الصراع ضد النوازع السلبية في النفس، والتغلب عليها ثم نقل هذه التجربة للآخرين فيما ذكره المفكر التركي فتح الله كولن، ولنا في الجهاد الأكبر جهاد القرآن الكريم جهادا به نستطيع العبور في مسار النفق المظلم الى رحابة الضوء الساطع.

إن الإلهام للمكوّنين السيء والجيد معًا، مقترنان في منطقة واحدة، في النفس البشرية، هو القرار الرباني الحكيم ليجعل من الصراع الداخلي (الجهاد) وتحقيق التوازن الذاتي عبر (الميزان) أي العقل من مكونات بناء الشخصية وإظهار قدرتها أو تفوقها على ذاتها، وإما يميل الميزان في منطقة الصراع الداخلي فيختلّ.

قلت أن الكتاب كائن حي يحدّثك وتحدّثه وهذا لعموم الكتب المفيدة طبعا، فكيف إن كان الكتاب كتاب الله سبحانه وتعالى؟ المليء بالإشارات الثمينة والحِكم العظيمة، والتعليمات الجليلة، ومفاتيح الأفكار بشتى الاتجاهات، إنه لا يفتح مغاليقه إلا لمن أحب، ومن أحب ورجع وسأل وتساءل وتفكّر يلتقط الإشارات... ولربما يهتدي ويتقي.

الحواشي
_______________________________________

[1] يقول الله تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30-الفرقان)

[2] وردت مادة: (التفكر) في حوالي تسعة عشر موضعاً في القرآن الكريم.

[3] الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) (آل عمران)

[4] للميزان تفسيرات عدة جميلة، فهو القسط والعدل وهو الناموس، وهو العقل الذي يميز الخير والشر.

[5] حسب تفسير الطبري، ألهم إلهام بمعنى علّم او عرّف، علّمها الطاعة والمعصية، أو بيّن، وفي قول آخر وحسب الطبري أيضا: أن الله جعل فيها ذلك أي جعل فيها فجورها وتقواها والأخير مبتغانا في التأمل على مايبدو.



التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.