اليمن ضحية أم طعم

اليمن ضحية أم طعم

بقلم أكرم توفيق
.........
تتشابه سيناريوهات المشهد في اليمن شمالا وجنوبا باختلاف فارق التوقيت الزمني وبوصلة الجغرافيا
وتختلف بل وتتقاطع كليا في محاور التقاء المصالح الإقليمية والدولية مما تسبب في تحولها لبؤرة صراع باردة طويلة المدى بين اطراف الممانعة ضمن صفقات التقارب ومحطات التفاوض
شهدت عدن منذ أيام ذات الملامح التفصيلية التي تابعها العالم أبان سقوط صنعاء بتمويل ودعم عربي ايراني مزدوج حمل في طياته هدفا مشتركا وهو القضاء على القوى التقليدية فيما يسمى بحملة مكافحة الإرهاب السياسي والإشارة هنا تتجه لجماعة الإخوان المسلمين وقوى التغيير التي كان لها حضور قوي في ما عرف بموجة الربيع العربي،
استغلت الدول العظمى حالة الاحتقان والغليان في الشارع العربي فأججته وخلقت حالة فوضى إعلامية واقحمت الأنظمة في حروب ومواجهات مباشرة مع الشعوب ، و وظفت ذلك خدمة لمصالحها
وتمريرا لصفقاتها وانفادا لبرامجها التشطيرية الاستعمارية التقسيمية في خاصرة الشرق والغرب ، لقد صنعت الآلة التحريضية بمحركات الأنظمة القمعية الديكتاتورية عدوا داخليا محليا لتجريفنا عن قضيتنا القومية الأولى "فلسطين" وقضايا الإصلاح الإداري والمؤسسي ومشروع الديمقراطية والتعددية وحرية الرأي والتعبير، فتحقق بذلك تمدد في ثبوتية الحكم للقادة ذاتهم او تبديلا لمن تم ازاحته وفق معطيات ومقتضيات المرحلة فالبدائل المطيعة متعددة الوجوه متوحدة الوجهة ، ونجحت في إبطال المشاريع التحررية وثورات الربيع وتحويلها إلى نقمة كبرى ونذير شؤوم تتناقلها الأجيال تاريخيا كنقطة ولوج في المستنقع المظلم كي لا تتكرر ؛ اليمن لم تكن في منأءا عن تلك الأحداث فقد عصفت عجلة التغيير بنظام اليمن وحكومته وتصدرت الثورة المضادة لاستعادة الحكم وادارة الأحداث بغية الانتقام من رموزه ثم الانقضاض على مكتسبات الثورة وصولا إلى تسليم شطره الشمالي لطرف شاذ سياسيا و بدعم وتمويل إقليمي لتعلن ضده بعد ذلك حربا مفتوحة تستزف المواقف وتأكل بعضها البعض بعد تشريد شعب وتجويع وطن وإهدار مليارات الدولارات لخزائن مصنعي السلاح وتجار المنظمات الإنسانية والحقوقية ، اليوم تتجه ذات القوى المتورطة في حرب اليمن تحت لافتة استعادة شرعيته المفقودة إلى الوقوع في ذات الفخ دون ادنى بصيرة إن احسنا النوايا حيث تسعى لتقسيمه وتسليم جنوبه لفصيل مسلح متطرف لا يقل خطورة عن تطرف شماله الواقع تحت سلطة الحوثيين الأكثر تطرفا وعنصرية لذات الحجة " مكافحة الارهاب الإسلامي السياسي وإيقاف تمدد الإصلاح ،
بل وستتجة غالبية الاحتمالات لشرعنة الانقلاب في شمال اليمن طال الامد او قصر مع إضفاءه شرعية نسبية باعتباره سلطة أمر واقع ولما يمتلكونه من نفوذ ميداني وحضور شعبي وعداء فطري تاريخي للتيارات السنية ليمنح بذلك استقرارا داخليا لفترة من الزمن وتقاربا مع دولة إيران التي تكشر بانيابها دون تردد وامتدت يداها لاستهداف مصالح نفطية خليجية دون رادع أو حجاب كما أنها ذاتها هي من تصنع الطائرات المسيرة التي تستهدف الشقيقة السعودية بين الفينة والأخرى وبعقول وخبرات من ذات المصدر تتواجد في الداخل اليمني ، كل ذلك بفعل الترهيب والقمع والوحشية التي يتعامل معها الامريكان بمرونة في الاجراء الميداني وصخب تهريجي اعلامي لا أكثر ، وحتى اللحظة خارطة الشراكة بين المملكة و"حزب الاصلاح اليمني "ذو الاتجاه الإسلامي والمتهم بتبعيته لحركة الإخوان المسلمين رغم تبرأه منها رسميا علاقة مهزوزة غير مستقرة مبنية على مصالح ينفرط عقدها لحظة بلحظة نتيجة للمواقف المتخاذلة التي يتعرض لها الطرفين من قبل البعض وايضا لعدم استصاغة شريك التحالف الإماراتي لهذه الشركة ورغبته في اندثارها فقد سارع لايجاد عدة متغيرات اربكت المشهد وأضفت حالة ضبابية أشعلت معها عدة محاوف لا تحمد عقباها ، وأسهمت بشكل او باخر في خدمة مشروع طهران الذي تتقارب معه سلطة ابو ظبي بعد أن رأت ان مصالحها وموانئها مهددة في تحالف العدا ، سارعت بالتفارب لكسب الرضا وتهيئة لتطبيع عسكري الى جانب التطبيع القائم اقتصاديا ، وهنا نشير لطبيعة الشذوذ في المواقف والمقاطعة الشكلية للعديد من الدول التي تظهر عداء لإيران وهي على صلة وتقارب و علاقات اقتصادية مثمرة وفاعلة كما تفعل قطر والامارات وتركيا ، إن المملكة العربية السعودية مصابة بدوار التناقض من شريكها الاوحد الذي كاد ان يتخلى عن شراكتها بعد توريطها في حرب شريفة نظيفة أفسدتها أطماعهم ومصالحهم ، حرب اوشكت على الانتهاء مكللة بالنصر في غضون عام وبنجاح محقق لولا ان اوقفت القوات في تخوم العاصمة صنعاء دون رؤية ومبرر ، سياسات متشاكسة غريبة "غربية عربية "حرصت في مجملها على اطالته امد الحرب الى اجل غير مسمى سعيا لإغراق المملكة في تفاصيل مبكرة لتقسيم قادم قد يطال اراضيها لا سمح الله؛ إن اضعاف الشرعية ككيان توافقي جامع دوليا وعربيا شكل احراجا لدول التحالف التي دخلت لليمن في مهمة اسنادها وبطلبا منها وهي اليوم تتجه لمصادرة سلطاتها بخطوات بالغة الخطورة برعونة وحماقة وبافتعال ازمات بمقدور شركاء استعادة الشرعية تجاوزها لو توفرت الارارة لذلك
،ينتج المكر كمية من المخاوف الغير مبررة اماراتيا بعد أن اضعفت ركائز قوة هذه الشرعبة ومنعت هادي من العودة للداخل بحجة المخاوف الأمنية التي تهدد سلامته وحياته وصنعت له من أبناء عمومته الف خصم وسلمت لهم السلاح كما فعلت إيران وصالح بالعاصمة صنعاء انتقاما من خصوم الربيع الذي تساقطت أوراقه في خريف متسارع ، يطل هنا حزب المؤتمر الشعبي العام من جديد بمختلف جناحاته المتعارضة والذي يشكل نقطة التوافق الإقليمي لما تبقى من تفاصيل صناعة البدائل ، حيث تعززت القناعة وتجلت الاطروحات علانية وكاشفت بها قيادة التحالف مرارا بضرورة تصحيح مسار الشرعية بمنظور مغاير تدركه ابو ظبي وستصنعه الرياض، لقد افرزت الانتهازية السياسية التي مارستها كل القوى والنخب والأحزاب اليمنية إسلامية كانت ام يسارية مع تدخلات الاقليم واقعا مظلما ومناخا غير مستقر تطغى فيه لغة الصراع على العقل والرصاص على الحكمة
فتحقق بذلك انهيار شامل لا يهدد مستقبل اليمن فقط بل الجوار ؛ كما إن الاطماع التي غذتها كبرى الدول للاستحواذ على الممرات البحرية الدولية في خارطة النفوذ والصراع الاقتصادي القائم تلوح في افقها ملامح انفجار عسكري يهدد مصالح الخليج بمباركة امريكية وإن ادعت بهتا صيانة وحماية حليفها الاول
فالأيام أثبتت التقارب الأمريكي الإيراني وربما التجربة التي نجحت بشراكة الطرفين في العراق مناسبة لان تكون محطتهم الثانية في خاصرة الخليج الأكبر ، الخليج الذي لن يكون في مأمن من مؤامرة كبرى فيما اذا ترك اليمن يواجه مصيره لوحدة وحينها تكون الشقيقة قد بلعت الطعم



التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.