الجمعية العامة للأمم المتحدة بين المأمولِ والواقع..!

الجمعية العامة للأمم المتحدة بين المأمولِ والواقع..!


بقلم د. عبد الرحيم جاموس
انطلقت اعمال الدورة الرابعة والسبعون للجمعية العامة للامم المتحدة ، في الثالث والعشرين من شهر سبتمبر الماضي، وقد تابع العالم خطابات الإفتتاح للعديد من رؤساء الدول وممثليها، حيث ألقت الأضواء على العديد من القضايا والمشاكل الدولية التي تهم مختلف دول العالم من قضايا المناخ والبيئة الى القضايا التجارية والاقتصادية والأمنية وكل مايهم الامن والسلام العالمي ، سعيا وراء البحث عن حلول لهذه المشاكل والقضايا...!
طبعاً كان أول المتحدثين رئيس الولايات المتحدة والتي تتحمل بلاده أكثر من 20% من نفقات الأمم المتحدة، و تحتل المرتبة الأولى بين الدول وتحظى بعضوية دائمة في مجلس الأمن، كما تحدث الرئيس الفرنسي وغيرهم من رؤساء الدول بما فيهم رئيس دولة فلسطين الذي عرض القضية الفلسطينية بجدارة ديبلوماسية مميزة، و عرض واقع العلاقات الفلسطينية مع سلطات الاحتلال وما يتعرض اليه الشعب الفلسطيني من قمع واجراءات تعسفية مستهترة بالقانون الدولي وبقرارات الشرعية الدولية... مؤكدا في كلمته على ضرورة وضع حدٍ لهذة السياسات الاحتلالية والعنصرية الغاشمة بحق الشعب الفلسطيني، و ضرورة العمل على تمكينه من ممارسة حقوقه المشرعة وانهاء الاحتلال الاسرائيلي الذي طال امده . .. !
وقد حظيت القضايا الأخرى المختلفة بعرض وجهات نظر تلك الدول ،كل بما يهمه بأمل أن تجد تلك القضايا حلولاً ناجزة أو تصدر قرارات بشأنها و تأخذ طريقها للتنفيذ، لكن جميع القرارات التي قد تصدر عن الجمعية العامة تحمل صفة توصيات شأنها شأن القرارات التي سبق للجمعية العامة اتخاذها في دوراتها السابقة، بأمل أن تترجم هذة التوصيات إلى قرارات عبر مجلس الأمن الذي يمثل الجهاز التنفيذي للأمم المتحدة و الذي يضم خمسة عشر دولة، منها الدول الدائمة العضوية (أمريكا، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا) والتي تحظى بحق النقض (الفيتو) أي حقها في تعطيل صدور أي قرار لا تراه أي من هذه الدول مناسباً، هذا ما يضع فاعلية قرارات مجلس الأمن وبالتالي الأمم المتحدة رهينة للتوافق التام بين الدول الدائمة العضوية .. مما يؤدي إلى شلل الجهاز الأممي وإفقاد الأمم المتحدة لدورها في حفظ الأمن والسلم الدوليين و يضعف دورها في حل المشاكل والقضايا الدولية بالطرق السلمية، .. وبالتالي تصبح جملة الخطب والمواقف المعبر عنها في الجمعية العامة للأمم المتحدة مجردة من أي قوة تنفيذية، مقتصرة على الناحية المعنوية والأخلاقية في إنتظار الوصول إلى توافق دولي، وخصوصاً توافق الدول الدائمة العضوية لتترجم تلك المواقف والخطب والأماني إلى قرارات تأخذ طريقها للتنفيذ، ولا يفوتنا هنا أن ننوه إلى أن قرارات مجلس الأمن أيضاً هي نوعين منها ما يتخذ إستناداً إلى البند السابع والذي يقتضي التنفيذ وإتخاذ جملة من التدابير السياسية والدبلوماسية والإقتصادية وحتى العسكرية إن إقتضى الأمر من أجل تنفيذ القرار المتخذ حسب البند السابع، وهناك القرارات التي تتخذ إستناداً إلى البند السادس والتي لا يلازمها إتخاذ أي من التدابير لإلزام الجهة الصادر بحقها هذا القرار كي تلتزم بتنفيذه ..!
من هنا نلاحظ أن القضية الفلسطينية وهي أقدم قضية تنظر فيها الأمم المتحدة منذ تأسيسها إلى اليوم لم تشهد حلاً أو تسوية لغاية الآن رغم مرور اكثر من سبعين عاماً عليها وصدور اكثر من 756 قرار أو توصية عن الجمعية العامة بشأنها، كما صدور 86 قرار عن مجلس الأمن إستناداً إلى البند السادس، ولم يجر إتخاذ أي من الإجراءات أو التدابير الكفيلة بتنفيذ أي من تلك القرارات، هذا ما يظهر عجز الأمم المتحدة وعجز آليات عملها وأدواتها في إنهاء وحل القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا...طالما لم يتوفر الإجماع للدول الدائمة العضوية على ضرورة إنهاء هذه القضية او تلك وإيصال اطراف او طرفي النزاع أو الصراع إلى حل فوري ونهائي، ذلك ما يطرح ضرورة إصلاح الأمم المتحدة وإعادة النظر في آليات عملها ومنح قراراتها القدرة على أن تأخذ طريقها للتنفيذ.... !
لكن الدول الكبرى والتي تتمتع( بحق النقض )الفيتو سوف تعارض أي إصلاح من هذا القبيل، وتعارض مساواتها مع الدول الأخرى، حفاظاً على مصالحها من جهة وتأكيداً على إحتفاظها بإمتيازاتها التي حصلت عليها في إنتصارها في الحرب العالمية الثانية من جهة أخرى، والتي ولدت على أثرها هيئة الأمم المتحدة وبنيَ على اساس ذلك ميثاقها ومؤسساتها وصلاحياتها ، فهي الجهاز الدولي الذي يعكس نفوذ ومصالح المنتصرين في الحرب العالمية الثانية ..!
بناء على ما تقدم تسعى كافة الدول إلى تمكين نفسها من عناصر القوة المختلفة السياسية والإقتصادية والأمنية والعسكرية والأخلاقية والقانونية، كي تحمي مصالحها وتنتزع حقوقها، و عدم الركون في ذلك لما يسمى الأمم المتحدة والشرعية الدولية فقط ..!
من هنا تبقى خطب الرؤساء وممثلي الدول ذات تأثير معنوي واخلاقي وأماني لا أكثر ولا أقل، وتصطدم بواقع النظام الدولي الذي تسيطر عليه الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن ، فالبونُ شاسع بين المأمولِ والواقع للجمعية العامة بشكل خاص وللامم المتحدة بشكل عام .....!
د. عبد الرحيم محمود جاموس
عضو المجلس الوطني الفلسطيني
E-mail: pcommety @ hotmail.com
الرياض 3/10/2019 م



التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.